د. ماجد عزت إسرائيل
يحتل سبت النور مكانة فريدة في الوجدان المسيحي، ولا سيما في التقليد الشرقي، إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانتظار نور القيامة وانبثاقه من القبر المقدس في كنيسة القيامة بأورشليم.
وفي هذا اليوم لا تقف الكنيسة فقط عند ذكرى دفن المسيح وانتظار قيامته، بل تعيش أيضًا معنى العبور من الظلمة إلى النور، ومن الحزن إلى الرجاء، ومن صمت القبر إلى بشارة الحياة. ومن هنا صار النور المقدس، في الوعي الكنسي، علامة رمزية وروحية شديدة العمق، تشير إلى حضور القيامة بوصفها حدثًا متجددًا في حياة المؤمنين.
وفي سياق هذا التقليد، تحفظ الذاكرة الكنسية عددًا من الروايات التاريخية المرتبطة بظهور النور المقدس، ومن بينها الرواية التي تعود إلى عهد البابا بطرس السابع الجاولي، البطريرك التاسع بعد المئة في تاريخ بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وفي زمن إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا ووالي الشام. وتفيد هذه الرواية أن إبراهيم باشا أبدى شكًا في حقيقة ظهور النور، فأراد أن يشهد الأمر بنفسه، وأن يتأكد من صحة ما يتناقله الناس عن انبثاق النور من القبر المقدس في يوم سبت النور.
وتضيف الرواية أن إبراهيم باشا طلب حضور البابا بطرس الجاولي بنفسه في هذا الحدث، بل أراد أن يقيم الصلاة بدلًا من بطريرك الروم، غير أن البابا بطرس، بحكمة كنسية وروح مسكونية واعية، رفض أن يتعدى على حقوق الكنائس الأخرى أو أن يخلّ بترتيبها التقليدي، واكتفى بالمشاركة في الصلاة إلى جوار بطريرك الروم. وتكشف هذه الجزئية عن أمرين مهمين: أولهما مكانة البابا بطرس الجاولي في الوعي الكنسي والسياسي في ذلك الوقت، وثانيهما احترامه للنظام الكنسي القائم في الأماكن المقدسة.
وعندما حان موعد الصلاة، تذكر الرواية أن النور المقدس انبثق من القبر، في مشهد أثار رهبة الحاضرين وانفعالهم الشديد. ووفقًا لهذا التقليد، فقد تأثر إبراهيم باشا تأثرًا بالغًا أمام ما رآه، حتى صرخ طالبًا الأمان، في مشهد صار جزءًا من الذاكرة الشعبية والكنسية المرتبطة بهذا الحدث. كما تذكر الرواية أن الذين لم يتمكنوا من الدخول إلى داخل الكنيسة، ولا سيما الفقراء والزحام المحتشدون خارجها، كانوا هم أيضًا شهودًا لهذا النور، إذ خرج إليهم من شق في أحد أعمدة باب الكنيسة، فأنارهم وتباركوا به.
ومن خلال هذه الرواية، لا يظهر النور المقدس مجرد ظاهرة طقسية أو تقليد احتفالي، بل يبدو في الوعي الكنسي شهادة متكررة على القيامة، وعلامة على أن نور المسيح القائم لا يُحبس في القبر، ولا ينطفئ أمام الشك أو الرفض أو الظلمة. ولهذا اكتسب سبت النور بُعدًا يتجاوز المشهد الليتورجي المحلي، ليصير تعبيرًا عن يقين الكنيسة بأن القيامة ليست ذكرى ماضية، بل حقيقة حية ومستمرة، تفيض نورًا في التاريخ والعبادة والذاكرة.
وتزداد أهمية النور المقدس في هذا السياق من كونه يرتبط مباشرة بالقبر المقدس، أي بالموضع الذي شهد دفن المسيح ثم قيامته. ومن ثم، فإن الحديث عن النور في سبت القيامة ليس حديثًا عن ضوء حسي فحسب، بل عن دلالة لاهوتية وروحية عميقة: فالمسيح الذي دخل إلى القبر بقيامته لم يتركه موضعًا للموت، بل حوّله إلى منبع للنور والحياة. وهكذا يصبح القبر نفسه، paradoxically، موضع إشعاع لا موضع انغلاق، وموضع شهادة للقيامة لا علامة للهزيمة.
ومن هنا، يبقى سبت النور شاهدًا حيًا عبر الأجيال على انتصار النور على الظلمة، والحياة على الموت، والرجاء على اليأس. وما يكتسبه هذا اليوم من أهمية في الوعي القبطي الأرثوذكسي لا يرجع فقط إلى المشاركة التاريخية في هذه الشهادة، بل أيضًا إلى أن الكنيسة القبطية رأت فيه، عبر بطاركتها وشهودها، علامة تؤكد حضور المسيح القائم وسط شعبه. ولذلك فإن النور المقدس، في معناه الأعمق، لا يُفهم بوصفه حدثًا بصريًا عابرًا، بل بوصفه تعبيرًا عن حقيقة القيامة التي ما زالت تنير الكنيسة، وتفتح أمام المؤمن طريق الحياة الأبدية.
وهكذا يظل سبت النور شاهدًا حيًا عبر الأجيال على انتصار النور على الظلمة، والحياة على الموت، والرجاء على اليأس. وفي هذا المعنى، يُستأنس بما يورده النبي إشعياء: "قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ." (إش 60: 1). فالنور المنبثق من القبر المقدس يظل، في الوعي الكنسي، علامة دائمة على أن المسيح القائم قد غلب الموت، وأن مجده ما زال يشرق على كنيسته عبر الأجيال.





