محرر الاقباط متحدون
هذا اليوم هو يوم الصليب، نُسمِّيه الجمعة العظيمة، وجمعة الصلبوت، وعيد الصليب. وبرغم تعدد التسميات، فهو يوم الحب العجيب والعظيم.
في مجتمعات كثيرة في العالم يختارون يومًا ويجعلونه عيدًا للحب، أما عيد الحب للإنسانية كلها فهو يوم الصليب المجيد. لذلك نُسمِّي اليوم “عيد الحب الإلهي”، إذ لا يوجد حدث في تاريخ البشرية ظهر فيه حب الله مثل هذا اليوم “يوم الصليب”. فهو يوم اللقاء بين الحبيب والمحبوب، أي بين المسيح الذي قيل عنه: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت”، وبين المحبوب، أي الإنسان الذي خلقه الله وأوجده بمحبته أولًا وأخيرًا.
ونحن نتابع الصلوات والألحان وطقس هذا اليوم، نرى ثلاثة أمور:
١- محبة الصليب
٢- علامة الصليب
٣- فاعلية الصليب
أولًا: محبة الصليب
موت المسيح لم يكن مصادفة، لأنه أتى لأجل هذا اليوم، ونصلي في باكر قائلين: “والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا ورأينا مجده”، وقد رأينا هذا المجد على الصليب.
منذ تجسد السيد المسيح كان الصليب أمامه؛ فعندما وُلد في مذود، وهو المكان الذي توضع فيه الذبيحة، كأنه الحمل الذي يرفع خطية العالم. وعندما كان في عرس قانا الجليل، وجاءت السيدة العذراء تخبره أن ليس لهم خمر، أجابها: “لم تأتِ ساعتي بعد”، وكان المقصود ساعة الصليب.
وصنع آيات كثيرة لأنه جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك. فالخطية منذ أيام آدم، حين انفصل الإنسان عن الله، أصابت فكر الإنسان بالظلام وضميره بالضعف. لقد خلق الله الإنسان في أبهى صورة، لكن ذات الإنسان في آدم وحواء جعلته يكسر الوصية ويخالف الله، بل وكسر قلب الله بمحبته.
فالله خلقنا لأنه أحبنا، والخطية تكسر هذه العلاقة، وإن كانت محبته قد ظهرت بالتجسد، فإنها تضاعفت مرات ومرات عندما صُلب من أجلنا، وصار الصليب محطة الحب للإنسان.
الله لم يُكلِّمنا عن بُعد، ولم يُخاطبنا من السماء فقط، بل أتى إلينا، وتحدث معنا، ومشى على أرضنا، وعطش وشرب من مائنا، وأظهر محبته لنا.
في العهد القديم أرسل الله الأنبياء ليتحدثوا عن محبته، وكانوا يقدمون رسائل وتحذيرات، ويمكن أن نسميهم أصدقاء العريس. لكن “الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء بطرق وأنواع شتى، كلمنا في ابنه الوحيد”. وهذا هو امتياز المسيحية، أن إلهها لم يكن بعيدًا، بل جاء وتجسد على أرضنا.
يا رب، لماذا تحبنا؟ لأننا خليقة يديك ولذتك. لقد خلقتنا بعد أن أعددت لنا كل الخليقة: الأرض والماء والشمس والطيور والحيوانات والنباتات، ثم خلقت الإنسان.
ما أقصى شيء يمكن أن تقدمه لمن تحبه؟
أمران:
أولهما أن تُحسن إليه وتقدم له كل شيء، وهكذا صنع المسيح معنا، إذ قدم لنا العطايا الروحية والمادية.
وثانيهما أن تتألم من أجله وتشاركه آلامه، وهكذا حمل المسيح خطايانا وأوجاعنا وسقطاتنا على الصليب، ودمه يطهر من كل خطية.
صفات هذه المحبة:
• محبة مجانية: تشمل البعيد والخاطئ والفاتر.
• محبة قوية: لنا فيها نصيب ومكان.
• محبة رقيقة: “يا أبتاه اغفر لهم”.
• محبة مملوءة حنانًا: كما مع بطرس بعد إنكاره.
• محبة ثابتة: لا تتغير.
• محبة كالأم: “هل تنسى المرأة رضيعها… أما أنا فلا أنساك”.
• محبة كالأب: “كنت أجذبهم بربط المحبة”.
• محبة كالعريس: “كفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك”.
هذه هي محبة الصليب، والحديث عنها لا ينتهي.
ثانيًا: علامة الصليب
١- علامة علنية: على جبل الجلجثة، ظاهرة للجميع.
٢- سبب فخر: كما حدث مع الملك قسطنطين.
٣- حفظ الجسد: لم تُكسر له عظمة.
٤- حمل اللعنة: فماتت اللعنة على الصليب.
٥- علامة للمصالحة: “وأنا إن ارتفعت أجذب إليَّ الجميع”.
٦- عُلِّق في الهواء: ليغلب سلطان الشر.
٧- يربط السماء بالأرض: “لا تخف لأني فديتك… أنت لي”.
المسيح لم يهرب من الصليب، بل جعله علامة فخر، ونصرخ: “مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ”.
ثالثًا: فاعلية الصليب
١- المحبة:
محبة الله انسكبت في قلوبنا بالروح القدس. العالم يحتاج إلى هذه المحبة وسط النزاعات.
٢- الغفران:
المسيحية ديانة الغفران: “يا أبتاه اغفر لهم”. فسامح وكن قويًا بالمحبة.
٣- الفرح:
“فرح التلاميذ إذ رأوا الرب”. كن سبب فرح للآخرين بالكلمة والعمل.
الصليب له فاعليات كثيرة، لكن هذه أبرزها: المحبة، والغفران، والفرح.
في هذا اليوم، يوم اللقاء بين الحبيب والمحبوب، نرى محبة الصليب وعلامته وفاعليته.
ليباركنا المسيح بكل بركة روحية، ويعطينا أن نحمل هذه المحبة في قلوبنا ونستعد لفرح القيامة.
“حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح”.





