الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
«سخّروا رجلًا جاز من هناك... لكي يحمل صليبه» (مرقس ١٥: ٢١)
الموضوع: مبدأ التضامن، المسؤولية الاجتماعية، ودور المجتمع المدنيّ
(رسالة البابا يوحنّا بولس الثاني "الاهتمام بالشأن الاجتماعيّ)
التأمّل:
في لحظة الإنهاك التام، يتقدّم سمعان القيروانيّ، وهو هنا بطلٌ لم يختر الصليب، إلّا أنّه إنسانٌ «جاز من هناك» وسُخِّر ليحمل عبئًا ليس له. غير أنّ ما يبدأ بوصفه إكراهًا يتحوّل، في سرّ التدبير الإلهي، إلى شركة في الفداء، إذ يكشف النصّ الإنجيلي أنّ الله لا يخلّص الإنسان بدلًا عنه، بل معه ومن خلاله. هنا يظهر معنى «التضامن» بوصفه التزامًا فعليًّا، إذ يعرّفه التعليم الاجتماعيّ للكنيسة بأنّه «تصميمٌ ثابت وراسخ على الالتزام بالخير العامّ… لأنّنا جميعًا مسؤولون عن الجميع» («الاهتمام بالشأن الاجتماعيّ»، ٣٨).
سمعان، إذًا، بحمله خشبة الصليب مع المقهور يغير خياته بالدخول في منطق «نحن» بدل «أنا». ومع أنّه «سُخِّر»، أي لم يختر هذا الدور في البداية، يكشف الإنجيل واقعيّةً عميقة: التضامن لا يولد دائمًا من حرّيّةٍ كاملة، بل قد يبدأ من اصطدامٍ قاسٍ بالألم. غير أنّ ما يُفرض على الإنسان يمكن أن يتحوّل إلى مشاركة خلاصيّة، فالذي حمله الصليب يصير حاملًا له، والذي أُجبر يدخل في سرّ المشاركة.
في هذا الإطار، يذكّرنا التعليم الاجتماعي بأنّ الظلم في العالم لا يقوم فقط على خطايا فرديّة، بل على «خطايا هيكليّة» («الاهتمام بالشأن الاجتماعيّ»، ٣٦–٣٧)، ومن ثمّ يغدو سمعان علامةً على مجتمعٍ يُستدعى، أحيانًا رغمًا عنه، ليحمل مسؤوليّةً لم يخترها. هنا ينكشف وهم الحياد: لا أحد يمرّ مرورًا بريئًا أمام الصليب، ولا يمكن لأيّ إنسان أو جماعة أن تقف موقف المتفرّج أمام المتألمين والمقهورين.
ومن ثمّ، كما لم يسمح سمعان لنفسه أن يبقى عابرًا، لا يُسمح لنا أن نظلّ محايدين أمام معاناة الآخرين، لأنّ الصليب الذي يحمله المتألّم ليس قدرًا بل هو نتيجة أوضاعٍ وبُنى تحتاج إلى تغيير. وهكذا، لا يكفي أن نقدّم مساعدة فرديّة، بل يُطلب منّا أن نعيد النظر في النظام الذي يُنتج الألم ويحفظ استمراره.
يسوع يقبل معونة سمعان لا عن عجزٍ ولكن ليكشف أنّ الخلاص ليس فعلًا فرديًّا، فالخلاص مسيرةٌ جماعيّة.سمعان رأى، وحكم، وفعَل: سمعان لم يسعَ إلى أن يفسّر الصليب لكنه حمله، ومن ثمّ يُدرك المعنى الحقيقي للصليب لا بالكلام وحده، والتحليل وحده، بل أيضًا بالمشاركة. وهكذا يصبح التضامن، كما يعلّم البابا يوحنّا بولس، طريقًا للسلام والتنمية معًا («الاهتمام بالشأن الاجتماعيّ»، ٣٩).
سمعان القيرواني، إذًا، نقطة تحوّل: من عزلة الألم إلى بداية الشركة، ومن فرد يحمل وحده إلى جماعة تتعلّم أن تحمل معًا. هنا تبدأ الكنيسة في الظهور، بوصفها أكتافًا تتشارك الحمل نفسه.
الصلاة:
يا يسوع، يا من قبلتَ معونة إنسانٍ عابر لتكشف أنّ الخلاص لا يُعاش في العزلة، حرّرنا من وهم الاكتفاء الذاتيّ، حرّرنا من أنانيّة الفردانيّة، وأدخلنا في سرّ التضامن الذي يغيّر القلوب والبُنى معًا. علّمنا ألّا نمرّ بجانب الصليب، بل نحمله، وألّا نراه مشهدًا روحانيّصا بل دعوة للفعل والتدخّل، وألّا نفسّره فقط بل نعيشه التزامًا. آمين.





