د.ماجد عزت إسرائيل
يتميّز يوم الأربعاء من البصخة المقدسة بطابع خاص بين أيام أسبوع الآلام، إذ لا تسجل الأناجيل للمسيح فيه حركة علنية واسعة كما في الأيام السابقة، بل يبدو اليوم في ظاهره يوم سكون وهدوء قضاه الرب في بيت عنيا، بعد أن ترك الهيكل مساء الثلاثاء، وفي نيته ألا يعود إليه مرة أخرى. ويأتي هذا الموقف في ضوء قوله الحاسم لليهود: "هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنِي مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ." (متى 23: 38-39). ومن هنا، فإن هذا اليوم لا يخلو من الدلالة، بل يكشف انتقال الأحداث من التعليم العلني إلى التهيئة المباشرة للآلام.
وعند قراءة البشائر الأربعة، يمكن استخلاص محورين رئيسيين لهذا اليوم. أولهما حادثة سكب الطيب، كما يذكرها القديسان متى ومرقس، وهي حادثة تختلف عن سكب مريم أخت لعازر للطيب على قدمي المسيح يوم السبت. فالمقصود هنا هو سكب الطيب على رأس المخلص، في مشهد يحمل دلالة تكريمية ونبوية في آن واحد، إذ يرتبط بتكفينه القريب وبالمحبة الصادقة التي سبقت الألم. ولهذا تورد الكنيسة هذه الحادثة في هذا اليوم لتضع أمام المؤمن صورة مقابلة لمشهد الخيانة: صورة الحب والبذل في مواجهة صورة الرفض والتسليم.
أما المحور الثاني، والأكثر التصاقًا بطابع هذا اليوم، فهو خيانة يهوذا الإسخريوطي واتفاقه مع رؤساء الكهنة على تسليم السيد المسيح مقابل ثمن. وهذه الحادثة تذكرها الأناجيل في سياق واضح من التآمر والمشورة الرديئة، إذ يتحول هذا اليوم إلى يوم تدبير خفي ضد الرب، لا من أعدائه البعيدين فقط، بل من أحد تلاميذه أيضًا. ومن هنا ارتبط الأربعاء في الوعي الكنسي بذكرى المؤامرة والخيانة، وصار يومًا يذكّر المؤمن بمرارة السقوط حين ينفصل القلب عن المحبة الحقيقية.
ويكتسب هذا اليوم عمقًا لاهوتيًا إضافيًا من كونه يكشف أن المسيح لم يكن ضحية أحداث مفاجئة أو مؤامرة غافلة عنه، بل كان عالمًا بما سيحدث، وقابلًا له بإرادته. فهو الذي عرف الطريق إلى الصليب قبل أن يبدأ، وسلّم نفسه بإرادته حبًا للبشرية وخلاصًا للعالم. ومن ثم، فإن صمت هذا اليوم ليس فراغًا في الحدث، بل هو امتلاء داخلي بالاستعداد، كما أن سكونه الظاهري يخفي في داخله ذروة التوتر بين الحب والخيانة، وبين البذل الحر والتآمر المظلم.
وهكذا، فإن يوم الأربعاء من البصخة المقدسة يجمع بين مشهدين متقابلين: مشهد المحبة التي تسكب الطيب على الرب، ومشهد القلب الذي يساوم عليه بثمن. لذلك يبقى هذا اليوم دعوة روحية عميقة إلى فحص الموقف الداخلي للإنسان: هل يقف في صف المحبة والبذل، أم ينزلق إلى خيانة الحق تحت ضغط المصلحة أو الضعف أو القسوة؟ ومن هنا تظل قراءات هذا اليوم تذكيرًا بأن المسيح، وهو عالم بكل ما سيأتي، مضى إلى الصليب طوعًا، لا مغلوبًا، بل محبًا حتى المنتهى.





