بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لعل السيد في حديثه مع تلاميذه عن علامات المنتهى، بالرغم مما قدمه من طريق شاق ضيق طُويل، لكنه بسُلطان ألهب قلُوبهُم غيرة للدخُول إليه، لهذا السبب تقدم لنا الكنيسة قصتين: تمتع نُوح بالخلاص في الفُلك وسط الطُوفان، ولقاء إيليا مع الله وسماعه صُوته الإلهي.(1مل9:19-14؛ إش2:42؛ أم1:9-10)..
قصة إيليا تُمثل الحاجة إلى الغيرة المُقدسة للقاء مع الله، لكنها غيرة مُلتهبة داخلية تقُوم خلال النفس الهادئة في الرّب، أما فُلك نُوح فيلتحم بغيرة إيليا ليترجم أعماقنا الداخلية، واشتياقنا القلبي لملاقاة الرّب إلى عمل جاد، فلكي نلتقي بالسيد المسيح، يليق بنا أن نتدًرب بالرُوح القُدس، ليرفعنا للجبال العالية، فننعم برُؤية الرّب القادم على السّحاب..
لكي تلهب الكنيسة شُوقنا للتمتع بهذا اللقاء الأبدي، تُحدثنا عن بهاء المجد الذي ننعم به حينذاك، فتقتبس في قراءاتها ما قاله إشعياء: نُور القمر كنُور الشمس (إش26:30؛ مت29:25)، فما نناله من بهاء داخلي هُنا يكُون عربُوناً لبهاء أعظم أبدي، فإن صرنا بالرّب قمراً نصير هُناك شمساً، وإن كان لنا مكافأة داخلية هُنا يزداد هُناك..
كان حديثه عن خراب الهيكل فرصة ليتحدث مع أربعة من تلاميذه على إنفراد حديثاً خاصاً، هُؤلاء يمثلُون الفرس المُنطلقة بالمركبة الإلهية نحو السماء، المرتفعة بالكنيسة كمركبة نارية ملتهبة تنطلق نحو الحضن الإلهي، أو يمثلُون أربعة حجارة حية أقامها الرّب لبناء كنيسته، ويُشيرُون إلى الفضائل الأربعة اللازمة للكنيسة لتتمتع بمعرفة أسراره..
تم هذا الحديث حين كان السيد جالساً على جبل الزيتُون تجاه الهيكل، جبل الزيتُون هُو الجبل الذي يقف عليه بقدميه في يوم الرّب ليبيد الشرّ، وهُو الجبل الذي شرقي المدينة (حز23:11؛ زك4:14)، وعلى هذا الجبل أعلن الرّب مفارقته للهيكل القديم، رافعاً أنظارنا إلى هيكل جديد يقُوم هُو نفسه ببنائه في داخلنا، حيثُ يُقيم ملكُوته، وجبل الزيتُون أيضاً هُو كنيسة الله التي يُغرس فيها المُؤمنون كأشجار زيتُون في بيت الرّب..
أول علامة لمجيئه هي: ظهُور مسحاء كذبة لخداع البشرية، فيُقيمُون مملكة إبليس تحت ستار المسيح أو اسم الله، فطريق الملكُوت ضيق يتطلب جهاداً لا ينقطع مع قُوات الظُلمة (أف10:6-12)..
كأن الرّب يُحذر تلاميذه طالباً منهُم ألا يرتبكُوا بهدم الهيكل، بل بالحري يحذرُوا خداعات العدُو الشرّير الذي يقاوم تحت اسم المسيح (مر5:13)، فإن سمعتُم بحرُوبٍ فلا ترتاعُوا، وهذه العلامة تسبق هدم الهيكل على يدّي تيطس الرُوماني عام 70م، ليتك لا ترتبك بالحرُوب التي في داخلك، ولا المجاعات والزلازل، بل ثق في الرّب يسُوع مُخلّصك..
أولاً: يقُول الرّب: أنظرُوا إلى نفُوسكُم، بمعنى مهما اشتدت الضيقة، وأياً كان مصدرها سواء من أصحاب سلاطين، أو المقربين كالآباء والأبناء فإن سرّ القُوة أو الضعف يتُوقف على أعماق النفس الداخلية، إن نظرنا بالإيمان إلى نفُوسنا، لنجد فيها الرّب مالكاً بمجد داخلي لا تستطيع الضيقة أن تجتاز إلى نفُوسنا بل تبقى في الخارج، ويرفعنا الرُوح القُدس ويحملنا أعلى من التيارات، ويحفظنا في سلام إلهي فائق..
ثانياً: إن كان الضيق يحل بالضرُورة، فالكرازة بالإنجيل أيضاً لن تتوقّف، وكأن الرّب يسُوع المسيح يُطمئنا أن عمل الله على الدوام يُقاوم، لكنه بالمقاومة يزداد قُوة ويتجلى بأكثر بهاء ومجد..
ثالثاً: يتحول الضيق إلى شهادة للمضايقين أنفُسهُم، ففيما يحسبُون أنهُم قادرُون أن يكتمُوا صُوت الحقّ بالسُلطان الزمني والعنف، إذا بالحقّ يتجلى أمامهُم، ويزداد صُوته وضُوحاً في فكرهُم، هذا ما رأيناه حين أراد هيرُودُس أن يكتم أنفاس القديس يُوحنا المعمدان، فصار صُوت يُوحنا يدُوي في أذنيه حتى بعد استشهاده وسبب له قلق ورعب..
رابعاً: إن مصدر الضيق الحقيقي ليس البشر، وإنما الحرب القائمة بين الله وإبليس، لهذا يليق بنا ألا نهتم بما نتكلّم به، بل كما قال الرّب: لستُم أنتُم المُتكلّمين، بل الرُوح القُدس، رُوح الله هُو قائد الكنيسة الذي أرسله الابن من عند أبيه ليتسلم تدبير الكنيسة وقيادتها..
يُقدم لنا السيد المسيح رجسة الخراب التي تحدث عنها دانيال النبيّ (دا27:9؛ 31:11؛ 11:12)، كعلامة من علامات خراب الهيكل، ومن علامات نهاية الأزمنة ومجيء المسيح الأخير:
أولاً: أن رجسة الخراب تُشير إلى دخُول العدُو بجنُوده بالقُوة الهيكل وتدنيسه، قبل هدمه وحرق المدينة أورشليم بالنار..
ثانياً: جاء في سفر المكابين (1مك54:1؛ 2مك6:2)، إلى تحقيق رجسة الخراب هذه عندما أقام أنتيخُوس تمثال زيُوس على مذبح المُحرقة في الهيكل 167ق.م، ووضع بيلاطس تمثال قيصر40م.
ثالثاً: يُشير إلى ظهُور شخص ضد المسيح يُقيم نفسه إلهاً في الهيكل، أنظر (2تس3:2-12)، وكأن هذه العلامة تُشير إلى ظهُور ضد المسيح الذي يُقيم نفسه في هيكل الرّب إلهاً معبُوداً..
إذ قدم السيد لكنيسته علامات المنتهى من حلول ضيقات عامة كالحرُوب والمجاعات والأوبئة والزلازل، وحلول مضايقات خاصة من أجل الكرازة بالإنجيل، وأعلن عن ظهُور أنبياء كذبة ومسحاء خاصة ضد المسيح، وهبها وصايا خاصة تسندها في هذه الظرُوف الصعبة، حتى تجتاز الضيقة المُستمرة وتعبر به إلى ملكُوته، جاء فيها ما يلي:
أولاً: المعنى الحرفي، فقد قيل أن المسيحيين إذ رأوا علامات اقتراب خراب الهيكل، هربُوا من اليهُودية وانطلقُوا إلى الجبال كوصية سيدهُم، وبذلك خلصُوا من الحصار، ولم يسقطُوا تحت الضيق..
ثانياً: المعنى الرمزي، فإن لقاءنا مع المسيح القادم إلى قلُوبنا ليتجلى كما على سحاب السماء، فيلزمه أن ننطلق من يهُودية الحرف القاتل، وننطلق إلى جبال الرُوح، لنعيش في حرية الإنجيل لا عبُودية النامُوس، هكذا يليق بنا إذ تشتد حرب الشيطان علينا ألا نقف أمامه، بل نهرب إلى الرّب يسُوع نفسه بكُونه الجبل المُقدس الذي يحملنا فيه..
إنها الضيقة العظمى التي يشهدها العالم بظهُور ضد المسيح مقاوماً الكنيسة في العالم، لكنها ضيقة بسماح من الله لا تفلت من عنايته، يُقصّرها الله من أجل مُختاريه حتى لا تنهار نفُوسهُم، ففي العهد القديم كان الله يسمح بالضيقات تشتد لأجل تُوبة الساقطين..
بنفس الرُوح في حياة كُل واحد منا، يسمح الله لنا بالضيق يشتد حتى الهزيع الأخير، وحين نظن أنه لا نجاة يتجلى على المياه مُحطماً الأمُواج، ماشياً على البحر، مُعلناً ذاته لنا كمُخلّص للنفس والجسد معاً، فعدُو الخير لا يتوقف عبر الأزمنة عن مقاومة ملكُوت الله بكُل قُوة، خاصة في الأيام الأخيرة مستخدماً كُل وسيلة للتضليل، كما فعل السحرة في أيام مُوسى النبيّ لكي يضل لُو أمكن المختارين، لكن الله يحفظهم..
وأما في تلك الأيام بعد ذلك الضّيق، فالشمس تُظلم، والقمر لا يُعطي ضوءه، ونُجُوم السماء تتساقط، والقُوات التي في السماوات تتزعزع وحينئذٍ يُبصرُون ابن الإنسان آتياً في سحاب بقُوةٍ كثيرةٍ ومجدٍ (24-26)..
من الجانب الحرفي يرى كثير من الآباء أن هذه الأمُور تتحقق بطريقة حرفية قبيل مجيء السيد المسيح على السّحاب، فينهار العالم المادي تماماً ليظهر الملكُوت السماوي الأبدي، وجاءت هذه الصُورة في (إش13)، تُعلن عن يوم الرّب القريب كيومٍ قاس بسخط وحمُو غضب، يُبيد كُل ما هُو أرضي ومادي، راجع (إش4:34؛ حز7:32؛ عا9:8)..
يُشير إلى المُؤمن وقد رفض نعمة الله بإصراره على الشرّ، وقبُوله خداعات العدُو الشرّير لم يعد مُستحقاً أن يتمتع بنُور شمس البرّ، أي عمل المسيح فيه، ويُحرم من نُور القمر وضُوئه، أي من البركات الكنسية، كما يفقد التمتع بأنُوار نجُوم السماء، وهكذا يفقد كُل بركة واستنارة وتّتحول أعماقه مثل أرض مظُلمة، وإذ يظهر شمس البرّ، والكنيسة عرُوسه القمر، والمُؤمنُون كواكب أبدية، تختفي الشمس ويظلم القمر..
أن انهيار الطبيعة هُنا هُو انهيار رُوحي للنفُوس التي قبلت ضد المسيح وسقطت تحت سُلطانه الشرّير، ففقدت حياتها وكُل استنارة داخلية، فتظلم الشمس بسبب برُود قلُوبهُم كما في فصل الشتاء، ولا يُعطي القمر ضُوءه بصفاء في ذلك الوقت، ونجُوم السماء تحجز ضُوءها عندما يختفي نسل إبراهيم الذي يُشبه بنجُوم السماء (تك17:22)، وقُوات السماء تثُور للانتقام عندما يأتُون مع ابن الإنسان في مجيئه الثاني..
إذ ينحل العالم المنظُور المادي، يُعلن العالم الجديد غير المنظُور السماوي، وذلك بحضُور كلمة الله المُتجسد في سحاب بقُوة كثيرة ومجد، أن مجيئه في السّحاب إنما يعني مجيئه في كنيسته كُل يوم حيثُ حملت السمة السماوية وارتفعت عن الفكر الزمني فصارت سحاباً سماوياً، ويأتي الرّب محمُولاً على سحابة القديسين (عب1:12)..
إذ قدم لنا الرّب يسُوع العلامات الخاصة لمجيئه، شبهها بأوراق شجرة التين التي متى ظهرت نعرف أن الصيف قريب، ما هُو هذا الصيف الذي يقترب منا إلا الأبدية التي تلتهب بنيران الحُب الإلهي؟!
هذه الشجرة تُشير إلى الشعب اليهُودي الذي صار كشجرة التينة التي سقطت تحت اللعنة بسبب جحُودها، فأنها إذ يعُود إليها الحياة خلال عُودتها للإيمان مرة أخرى في أواخر الدهُور نعرف أن الزمان قد اقترب، وهذا التفسير قام على كلمات الرسُول بُولس (رو25:11)، وجاءت أحداث كثيرة في الكتاب المقدس تُعلن عن عُودة اليهُود في النهاية وقبُولهُم السيد المسيح بعد أن يكتشفُوا خطأهُم بصلبه ورفضهُم إياه..





