بقلم الأب يسطس الأورشليمى
“فمن شجرة التين تعلّمُوا المثل: متى صار غُصنها رخصاً وأخرجت أوراقها، تعلمُون أن الصيف قريبٌ، هكذا أنتُم أيضاً، متى رأيتُم هذا كُله فاعلمُوا أنه قريبٌ على الأبواب، الحقّ أقُول لكُم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكُون هذا كُله..” (32-34).. 
 
يُؤكد لنا السيد أن مجيئه أمر مُحقق حتماً ينبغي ألا يشك فيه كما لا نشك في مجيء الصيف، هكذا يليق بالمُؤمن كلما ظهرت هذه العلامات من آلام وأتعاب يُدرك بالأكثر رعاية الله له وسكنى المسيح بالإيمان في قلبه، بتجليه في داخلنا من يوم إلى يوم ليُعلن ذاته فينا..
 
في هذا المثل أيضاً يُؤكد لنا أن أمجاده مخفية في داخلنا كما في شجرة التين في فترة الشتاء، لكنه إذ يحل فصل الصيف يُعلن المجد الخفي، ونتكلّل علانية في يوم الرّب العظيم، إننا الآن كمَن هُم في فصل الشتاء نظهر بلا مجد ولا جمال كأشجار جافة بلا أوراق ولا زهُور أو ثمار، لكن الشتاء ينتهي، وتظهر الحياة الكامنة في داخلنا..
 
ما أعلنه السيد إنما هُو كلمته الخالدة التي لا تزول، فإن السماء والأرض تزولان أما كلامي فلن يزول، ما هي السماء إلا نفُوسنا التي ترحل من هذا العالم، والأرض هي جسدنا الذي يعود إلى التراب إلى أن يأتي كلمة الله الذي لا يزول، فتعُود السماء جديدة فيه..
 
ما كان يُمكن أن تقُوم مملكة السيد إلا بهدم مملكة الظُلمة، لهذا إذ أراد غرس كرمه المُقدس التزم أن يُحطم التينة العقيمة، لقد كان للتينة ورقها الجذاب يأتي إليها الجائع ظناً أنه يجد ثمراً لكنه يرجع جائعاً، هكذا كان لليهُود ورقهُم الأخضر من معرفة الله وحفظ للشريعة والنبُوات، لكن مع هذا لم تكن لهُم الحياة الداخلية التي تُقدم ثمراً، ارتبطُوا بالشكل الخارجي دُون التمتع بالأعماق الحية، اهتمُوا بالحرف دُون الرُوح..
 
إن ما فعله هُو هدم للحرف لإقامة الرُوح واهب الحياة، وقف أمام شجرة التين العقيمة فجفت بكلمة من فيه، تبددت ظُلمة الليل بأشعة الصباح، إذ لها الورق دُون الثمر، هذه الشجرة هي مجمع اليهُود..
كان لديهُم كُل كتابات الأنبياء التي لم تكن إلا أوراقاً، والمسيح جائع يطلب ثمراً فيهُم فلا يجد، إذ لم يجد نفسه (المحّبة) بينهُم، فمَن ليس له المسيح ليس له ثمر، أنظر (تك7:3؛ إش2:9)..
 
الحقّ أقُول: إن كان لكُم إيمانٌ ولا تشكُون، فلا تفعلُون أمر التينة فقط، بل إن قلتُم لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر يكُون..
 
بالإيمان انطلق السيد المسيح الجبل الحقيقي، وانطرح في بحر الأمم، ليتحقّق القُول النبُوي: جعلتك نُوراً للأمم ليكُون خلاص إلى أقصى الأرض (إش6:49)، فالإيمان يُعطي الإنسان قُوة إلهية فيه، حيثُ يُؤمن أن كُل شيءٍ يُريده يفعله، وننعم بكُل شيءٍ في المسيح يسُوع..
 
أخيراً تقدم البستاني الرّب يسُوع في ملء الزمان يُمهلنا سنة أخرى هي سنة النعمة الإلهية لعلنا نقبل عمله فينا، فنحمل ثمر رُوحه القدُوس سرّ بهجة للآب صاحب الكرم، لقد جاء الرّب لشجرة التين ثلاث مرات:
 
بحث عن طبيعة الإنسان قبل النامُوس، وتحت النامُوس، وتحت النعمة منتظراً وناصحاً ومفتقداً، ولكنه لا يجد ثمراً..
 
إن كانت التوبة هي: الطريق للدخُول إلى ملكُوته، بدُونها لن ننعم بالعضُوية الحقة في قطيعه الصغير، وهي تُعلن خلال ثمر الرُوح فلا نكُون كشجرة التين العقيمة التي أبطلت الأرض ثلاث سنوات، فكيف يُمكننا أن نُمارس التوبة؟ مَن هُو الذي يشفي جراحاتنا ويحل رباطات ضعفنا؟!
 
يُقدم لنا الإنجيلي قصة إبراء المرأة التي بها رُوح ضعف 18 سنة، التي انحنى ظهرها ولم تستطع أن تنتصب حتى دعاها السيد وهي في المجمع في السبت ووضع يديه وابرأها كمثل حيّ للطبيب الحقيقي الذي يشفي النفس من جراحاتها، هُو واهب التوبة ومعطي الشفاء..
 
إن كانت هذه المرأة التي كان بها رُوح ضعف (11)، هي بعينها شجرة التين العقيمة التي بقيت ثلاث سنوات لا تُثمر إشارة إلى الأمة اليهُودية التي لم تثمر خلال المراحل الثلاث، فإن الثماني عشرة سنة تُشير إلى الثلاث مراحل أيضاً، كُل مرحلة تضُم ست سنوات إشارة إلى عمل الله في الخليقة حتى اليوم السادس، الله يُريد أن يجدد خليقته لكن الإنسان هُو الرافض للعمل الإلهي، هكذا انقضت المراحل الثلاث ليأتي الرّب نفسه كما في اليوم السابع يوم راحته، ليُعلن تمام راحته بتجديد خلقتنا واستقامة ظهرنا الذي أحنته الخطية عبر التاريخ البشري كُله..
 
أن رقم 18 هُو: محصلة جمع رقمي 10، 8 فإن كان رقم 10 يُشير إلى النامُوس، ورقم 8 يُشير إلى القيامة، فإن هذه المرأة تُشير للكنيسة التي اتحدت بالمسيح مُتمم النامُوس وواهب القيامة، لتعيش الكنيسة بعريسها غير كاسرة للنامُوس، بل مُكملة إياه بقُوة قيامته.. 
 
إذ كان هذا هُو حال كُل البشر، فإن الله الصالح بطبعه لم يتركنا هكذا نُعاني من عقوبة المرض الطويل المدى والمستحيل شفائه، بل حرّرنا من قيُودنا مُعلناً حضُوره، وإعلان ذاته في العالم علاجاً مجيداً لأتعاب البشرّية، فقد جاء ليُعيد تجديد حالنا ورده إلى أصله، الآن تجسد الكلمة وأخذ الطبع البشري إنما ليحطم الموت والدمار (12).. أنظر الكتاب (حك12:1-14؛ 24:2)..