بقلم: نادية هنرى، نائب برلماني سابق
الخوف ليس ضعفًا.
بل هو، في كثير من الأحيان، غريزة بقاء.
إشارة إنذار تحاول أن تنقذ الإنسان حين يقترب الخطر. لكن المعضلة لا تكمن في الخوف نفسه، بل في اللحظة التي يتحوّل فيها من رد فعل مؤقت إلى حالة دائمة… ومن شعور إلى نظام تفكير.
عندما يحدث ذلك، لا يعود الخوف يحمي المجتمعات، بل يبدأ في إعادة تشكيلها.
التاريخ مليء بأمثلة لمجتمعات بدأت رحلتها وهي تقاوم خطرًا حقيقيًا، لكنها—تحت ضغط الخوف—انتهت إلى تبني أدوات وأساليب كانت ترفضها في الأصل.
في أوروبا، بعد صدمات الحروب والأزمات الاقتصادية، ظهرت أنظمة استبدادية قدّمت نفسها كحائط صد ضد الفوضى والانهيار. في ألمانيا مثلًا، مهّدت حالة الخوف وعدم الاستقرار الطريق لصعود أدولف هتلر، الذي وعد بالأمان والاستقرار، لكنه أسّس نظامًا قام على القمع والإقصاء والتوسّع العدواني—أي أنه أعاد إنتاج الخطر في صورة أخرى.
وفي سياق مختلف، خلال الحرب الباردة، دخلت الولايات المتحدة في حالة من الهلع من “الخطر الشيوعي”، ما أدى إلى فترة عُرفت بالمكارثية، حيث تحوّل الخوف إلى حملات اتهام وإقصاء طالت مواطنين عاديين، وتم التضييق على الحريات باسم حماية المجتمع—وهي مفارقة لدولة قامت في الأساس على قيم الحرية.
الأمر لم يكن حكرًا على الغرب. في رواندا، أدّى تراكم الخوف والكراهية والتحريض إلى واحدة من أبشع المآسي في القرن العشرين، وهي الإبادة الجماعية في رواندا، حيث تحوّل “الخوف من الآخر” إلى مبرر لإبادته.
حتى الثورات التي انطلقت بحثًا عن الحرية، لم تكن بمنأى عن هذا التحوّل. في الثورة الفرنسية، بدأت المطالب بالعدالة والمساواة، لكن مع تصاعد الخوف من “أعداء الثورة”، دخلت البلاد في ما عُرف بعهد الإرهاب، حيث أصبحت المقصلة أداة يومية، وتحولت الثورة إلى نظام يخشاه أبناؤه.
في الشرق الأوسط، شهدنا أمثلة مماثلة على تحوّل المجتمعات بفعل الخوف من التهديدات الإقليمية أو الداخلية. بعد حرب 1967، تغيّر المجتمع الإسرائيلي تدريجيًا من حالة الدفاع عن وجوده إلى سياسة توسّعية وأولوية مطلقة للأمن، حتى لو كان ذلك على حساب مشاريع اجتماعية أو تفاهمات مع جيرانه.
وعلى الجانب الفلسطيني، أدّى تراكم الخوف من الاحتلال المستمر إلى تحوّل بعض الحركات الوطنية من نهج علماني إلى تيارات أكثر دينية وراديكالية، تؤكد أن الخوف ليس مجرد شعور لحظي، بل قوة تعيد تشكيل الهوية الجماعية. كذلك، في سياقات أخرى بالمنطقة مثل العراق وسوريا، أدت سنوات الصراعات الداخلية والحروب إلى تحول أنماط المجتمعات المحلية؛ فالمجتمعات التي كانت متعايشة يومًا أصبحت، تحت وطأة الخوف من العنف والاضطهاد، أكثر انقسامًا وطائفيّة، مما خلق واقعًا جديدًا يشبه الخطر الذي كانت تخشاه من البداية.
هذه الأمثلة، رغم اختلاف سياقاتها، تكشف نمطًا متكررًا:
الخوف، عندما يُترك بلا ضوابط، لا يكتفي بالدفاع… بل يعيد تشكيل هوية المجتمع.
في البداية، تُتخذ إجراءات استثنائية لمواجهة خطر استثنائي.
ثم تُبرَّر هذه الإجراءات لأنها “ضرورية”.
ثم تتحول الضرورة إلى عادة.
وأخيرًا، تصبح العادة جزءًا من تعريف المجتمع لنفسه.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
لأن المجتمع لا يشعر أنه تغيّر فجأة. بل يحدث التحوّل تدريجيًا، حتى يجد نفسه—بعد سنوات—يمارس ما كان يرفضه، ويبرّر ما كان يدينه، ويخشى ما كان يومًا جزءًا منه.
المجتمعات التي تنجح في الحفاظ على توازنها ليست تلك التي لا تخاف، بل تلك التي تدرك حدود الخوف. التي تضع له إطارًا، فلا تسمح له بأن يبتلع القيم التي قامت عليها.
لأن الأمن، رغم أهميته، ليس القيمة الوحيدة.
ولأن البقاء، إن جاء على حساب إنسانيتنا، يصبح شكلًا آخر من الخسارة.
في النهاية، أخطر ما يمكن أن يفعله الخوف ليس أن يجعلنا نحتمي…
بل أن يجعلنا، دون أن ندري، نتحوّل إلى ما كنا نحاول الهروب منه.
وهنا، لا يكون السؤال: هل انتصرنا أم لا؟
بل: من أصبحنا ونحن نحاول أن ننجو؟





