بقلم الأب يسطس الأورشليمى
شجرة التين في المفهُوم الإنجيلي ترمز لإسرائيل، إذ رفضت مسيحها المُخلّص سقطت تحت لعنة الجحُود، بدأت منذ نشأتها حتى مجيء المُخلّص، هذا ولم يقف الله مكتُوف الأيدي أمام ما حلّ بإسرائيل القديم، فقد أقام إسرائيل الجديد)المسيحيين) شجرة التين المثمرة، وقد أبرزت قراءات يوم الاثنين والثلاثاء من البصخة المُقدسة الأمُور التالية:  

أولاً: بدأت القراءات بإعلان الله كخالق العالم، فإن كانت شجرة التين قد يبست، إنما هي شجرة من عمل يدي الخالق الذي يحبها ويعتز بها، أما سرّ يبُوستها فهُو إصرارها على الجحُود، فحرمت نفسها عن الله مصدر حياتها، والكنيسة ترفع قلبنا بالرجاء نحو المُخلّص، إن أردنا الخلاص نجد الأذرع الأبدية القادرة تنتظرنا لتنتشلنا وتُجدّد حياتنا فيه..

ثانياً: إن كان الله هُو خالق الشجرة فلماذا يلعنها؟ وتأتي الإجابة في بدء النبُوات بإعلان أن الله قد فصل النُور عن الظُلمة، وكأن ما حلّ بالشجرة من لعنة إنما هُو ثمر طبيعي لعزل الخير عن الشرّ، فإن كان الله بحبه خلقنا، فبصلاحه لا يترك الخير ملتصقاً بالشرّ، لذلك جاءت القراءات تُركز على رُوح التمييز بين النُور والظلام (خر32؛ إش20:5)..راجع (أر13:8؛ هُو10:9؛ حز24:17؛ يؤ7:1؛ مي1:7)..
ثالثاً: إن كان السيد قد نطق بالحكُم فصارت الشجرة تحت اللعنة بسبب جحُودها وشرها، فإن القراءات تُؤكد حقيقة علاقة الرّب بشعبه فتدعُوه، حبيب كرمه، كما يقُول: ضعُوا في قلُوبكُم إني أحببتكُم..

راجع (إش1:5؛ 1:50-3؛ هو10؛ ملا1؛ مت37:23).. 

هكذا لم تسقط الشجرة تحت اللعنة عن تسرع في الحكُم، فإن مصدر الحكُم هُو خالقها، وأب الكُل المُشتاق أن يضم أولاده تحت جناحيه، والعريس السماوي الذي لا يطيق طلاق عرُوسه، لكن ما حدث هُو من عمل الشجرة ذاتها، فهي حكمت على نفسها بنفسها..
رابعاً: في صلاة الساعة التاسعة من يوم اثنين البصخة، يذكر سقُوط الإنسان في الفردُوس وطرده، وكأن الكنيسة تُعلن أن الله قد غرس شجرة التين هذه إسرائيل (كُل الأشجار صالحة)، في فردُوس إلهي لتحيا مُثمرة بالرُوح والحقّ، فإن كانت قد حرمت نفسها بنفسها من الثمر الرُوحي، فلا يجُوز بقاءها بعد فيه، بل تطرد وتسقط تحت اللعنة..

وفي الغد لما خرجُوا من بيت عنيا جاع، فنظر شجرة تينٍ من بعيدٍ عليها ورقٌ، وجاء لعلّه يجد فيها شيئاً، فلما جاء إليها لم يجد شيئاً إلاّ ورقاً، لأنه لم يكُن وقت التين، فأجاب يسُوع وقال لها: لا يأكل أحدٌ منك ثمراً بعد إلى الأبد! وكان تلاميذه يسمعون، راجع (12-14)... 
أي شيء يجُوع إليه المسيح أو يعطش سوى أعمالنا الصالحة؟ لقد جاع عبر الأجيال مُشتهياً أن يجد ثمراً مُفرحاً للسماء، لكن شجرة التين أي الأمة الإسرائيلية التي قدم لها كُل شيء، أنتجت ورقاً دُون ثمر..

لماذا طلب ثمراً في غير أوانه، وإذ لم يجد لعن الشجرة؟!
أن فلسطين قد عرفت بنُوعين من شجر التين، فأنه وإن كان الوقت ليس وقت تين بوجه عام، لكن وجُود الورق على الشجرة يعني أنها من النُوع الذي ينتج ثمراً مبكراً، وأنه مادام يُوجد ورق كان يجب أن تحمل الثمر، وفي هذا الأمر إشارة إلى حالة العالم في ذلك الحين.. 
إنه لم يكن وقت تين إذ كان العالم لا يحمل ثمراً رُوحياً حقيقياً، لأنه لم يكن قد تمجد المسيح بصليبه ليُقدم ثمر طاعته للآب، وكان يليق بالأمة اليهُودية وقد سبقت العالم الوثني في معرفة الله، واستلام الشريعة والنبُوات أن تُقدم ثمراً فأخرجت أوراقاً بلا ثمر، لذا استحقت أن تجف لتحل محلها شجرة تين العهد الجديد المُثمرة، يجب ألا نهتم بلعن شجرة، ولكن لنتأمل ما قصده الرّب يسُوع بهذا العمل المعجزي لنمجده..

يعرف تماماً أنه ليس وقت للتين لكنه جاء لا ليلعن الشجرة في ذاتها، إنما لينزع اللعنة التي حلت بنا بلعنه للأوراق التي بلا ثمر.. 
نستطيع أن نتفهم موقفه أن تأملنا القراءات الكنسية الخاصة بليلة الاثنين من البصخة، فإنها وإن كانت تدُور حول تطهير السيد للهيكل، إنما تكشف ماذا يعني الأمر، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية: 

أولاً: إن كان السيد قد دخل أورشليم راكباً على جحش لم يجلس عليه أحد من الناس، إنما يُريد أن يُقيم كُل شيء جديداً، أراد أن يُحطم أعمال الإنسان العتيق تماماً، ليُقيم فينا هيكله الجديد الذي يتجدّد حسب صُورة خالقه جاء يسُوع ليهدم الحرف الجامد ويُقيم الرُوح الجديد..  
ثانياً: إن كان طرد باعة الحمام وقلب موائد الصيارفة قد سبب حُزناً ومرارة في قلُوب الكثيرين، إنما يحول الله هذه المرارة إلى عذُوبة، والحُزن إلى تهليل، وذلك بإقامة الإنسان الجديد المُقدس بالدم عوض الإنسان القديم الذي تحطم، أما سرّ تحُويل الحُزن إلى تهليل، فهُو حبة الحنطة التي تموت بدفنها، لتقُوم حاملة ثماراً جديدة بفيض، راجع (يو12)..

ثالثاً: إن كان السيد قد صنع سُوطاً ظاهراً لتطهير الهيكل، ففي الحقيقة أرسل رُوحه القدُوس الناري الذي يحرق أعمال الإنسان القديم، ويهب في المعمُودية الإنسان الجديد، ويبقى عاملاً على الدوام ليُحطم فينا إنساننا الترابي الأرضي ويُقيمنا سمائيين، في غيرته يرسل الله رُوحه الناري فيفنى فينا ما هُو أرضي ليُقيم فينا ما هُو سماوي (صف1)..     

رابعاً: كان يعمل في الهيكل بسُلطان، فلم يستطع أحد أن يقاومه، إذ يقُوم بتطهير هيكله، وجاءت نبُوة الساعة التاسعة تكشف عن سرّ طرد الأشرار من هيكله، ألا وهُو شرّهُم نفسه وفسادهُم (مي3:2-10)، إن كان طردهُم لكن دخُوله إلى هيكله أفسد على الأشرار بهجتهُم الزمنية فلم يعد الهيكل مُوضع راحة بسبب شرهُم وإصرارهُم على عدم التُوبة.. 

خامساً: مَن هُم باعة الحمام إلا رجال الدين الذين يبيعُون مواهب الرُوح القُدس بالمال، حيثُ تُستخدم السيمُونية في السيامات، أو تُستغل خدمة الله الرُوحية للمكسب المادي أو الأدبي، باعة الحمام أيضاً هُم الذين يبيعُون ما نالُوه عمل الرُوح القُدس في مياه المعمُودية، بسبب شهُوات الجسد وارتكاب الخطايا، فيفقدُون الطهارة ويستحقُون الطرد من الهيكل.. 

وفي الصباح إذ كانُوا مُجتازين رأوا التينة قد يبست من الأصُول فتذكّر بُطرُس وقال له: يا سيّدي اُنظر، التينة التي لعنتها قد يبست فأجاب يسُوع وقال لهُم: ليكن لكُم إيمان بالله، لأني الحقّ أقُول لكُم: إن مَن قال لهذا الجبل، انتقل وانطرح في البحر، ولا يشك في قلبه بل يُؤمن أن ما يقُوله يكُون، فمهما قال يكُون له، راجع الكتاب (20-23)..

أن الجبل المُتحرك يُشير إلى كُل ما هُو صعب، ما هُو هذا الجبل الذي بالإيمان ينتقل وينطرح في البحر إلا شخص رّبنا يسُوع المسيح الجبل غير المقطُوع بيدين الذي يملأ الأرض كُلها (دا35:3-45).. 
 فبالإيمان ينتقل إلى النفس كما إلى البحر ويُقيم فيها، وهذا الانتقال يُشير إلى انتقاله من الأمة اليهُودية إلى بحر الشعُوب الأممية، ليُقيم في وسطها ويجعل منها كنيسة له مُقدسة واحدة جامعة رسُولية..

أن المسيح قدم لهُم سؤالاً بخصُوص معمُودية يُوحنا، إذ اعتادُوا أن يتهمُوا الأنبياء الحقيقيين أنهُم كذبة، فإذ ارتبك الفريسيُون وخافُوا من اتهام يُوحنا أنه نبي كاذب توقفُوا عن الإجابة، فأعلنُوا أنهُم لا يطلبُون الحقّ، ولا يستحقُون أن يتعرفُوا عليه، لهذا لم يجيبهُم على سؤالهُم..