الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

يطفو على السطح هذه الأيّام ترند صاخب، يبدو في ظاهره صراعًا، لكنّه في حقيقته يكشف عن مأزق أعمق: تيّاران عنيفان، يتغذّى كلٌّ منهما على الآخر.
 
الصهيونيّة — ولا سيّما في صيغتها الأمريكيّة المرتبطة بما يُسمّى «الصهيونيّة المسيحيّة» — تقدّم قراءةً لاهوتيّة مسيّسة للتاريخ والخلاص، تُسخِّر النصّ الكتابيّ لخدمة مشروع سياسيّ.
 
وفي المقابل، تنفجر معاداة الساميّة في خطابٍ مضادّ، لا يقلّ اختزالًا وخطورة، إذ تُسقِط الغضب السياسيّ على شعبٍ بأكمله، وتستخدم منطق الإقصاء والعنصريّة نفسه الذي تدّعي مقاومته.
 
والمفارقة المؤلمة أنّ هذين الخطابين لا يتصارعان فقط، بل يتقوّى كلٌّ منهما بالآخر. كلّما اشتدّ أحدهما، ازداد الآخر حدّةً، فنقع جميعًا في دائرةٍ مغلقة من العنف الرمزيّ والفكريّ.
 
الأخطر من ذلك أنّ النقاش العام — خصوصًا على وسائل التواصل — صار ساحةً لتفاسير مرتجلة:
كلٌّ ينصّب نفسه مفسّرًا كتابيًّا، ومؤرّخًا لاهوتيًّا، ومدافعًا عن «الحقيقة»، من دون رجوع إلى أيّ عملٍ علميّ رصين، أو إلى دراسات متخصّصة، أو حتى إلى مواقف الكنائس ذاتها. والأدهى أنّ كثيرين يتجاهلون — عن عمدٍ أو عن جهل — صوت الكنائس الحيّة في فلسطين نفسها، تلك الكنائس التي تعيش الألم يوميًّا، وتُصدر بياناتٍ واضحة حول العدالة والسلام وكرامة الإنسان. هذا التغافل ليس بريئًا، بل يُعدّ إقصاءً لصوت الشهادة الحقيقيّة لصالح ضجيج الأيديولوجيا.
 
لن أتحدث هنا عن زيف الصهيونية وحقارة معادة الساميّة، فما أود أن ألفت الانتباه إليه اليوم هو الخروج من هذه الثنائيّة الزائفة:
لا الصهيونيّة لاهوت، ولا معاداة الساميّة مقاومة.
 
المطلوب قراءة نقديّة مسؤولة:
 
تُميّز بين الإيمان والمشروع السياسيّ
 
وبين نقد السياسات ورفض العنصريّة
 
وبين الدفاع عن العدالة والسقوط في الكراهية
 
إنّ اللاهوت، إذا فقد بُعده النبويّ، يتحوّل إلى أداة تبرير.
 
والخطاب السياسيّ، إذا فقد إنسانيّته، يتحوّل إلى عنف.
 
وبين هذا وذاك، يبقى صوت الحقّ ضعيفًا… خصوصًا داخل البلدان التي أصبح "الافتاء فيها مباحًا لكلّ مَن لم يقرأ، ولكن الحقّ وحده قادر أن يكسر هذه الحلقة المغلقة.