د. نيفين سوريال
في الكتاب المقدس تُظهر الوصية أن الله يريد أن يكون كلام الإنسان صادقًا، لأن الكلمة قد تبني حياة إنسان أو تدمرها، تُعد الشهادة بالزور من أخطر الخطايا التي حذر منها الكتاب المقدس، لأنها لا تضر شخصًا واحدًا فقط، بل يمكن أن تفسد العدل وتؤدي إلى ظلم الأبرياء. فالشاهد عندما يقف ليقول ما رآه أو سمعه، يكون مسؤولًا أمام الله والناس أن ينطق بالحق. لكن عندما يختار الإنسان الكذب أو تحريف الحقيقة، تتحول الشهادة إلى أداة ظلم بدلاً من أن تكون وسيلة لإظهار الحق.
معنى الشهادة بالزور
الشهادة بالزور تعني أن يقول الإنسان كلامًا غير صحيح عن شخص آخر، أو أن يختلق قصة أو يغير الحقيقة ليؤذي غيره أو ليحقق مصلحة شخصية. وقد حذر الله من ذلك بشكل واضح في الوصايا العشر في سفر الخروج حيث يقول: "لا تشهد على قريبك شهادة زور". (خروج 20:16) هذه الوصية تظهر أن الكذب في الشهادة ليس مجرد خطأ بسيط، بل خطية كبيرة لأنها قد تدمر حياة إنسان بريء.
لماذا تعتبر الشهادة بالزور خطية خطيرة؟
الشهادة الكاذبة خطيرة لأنها تضرب أساس العدل في المجتمع. فالعدالة تعتمد على قول الحقيقة، وإذا كذب الشهود فلن يستطيع القاضي أو المسؤول أن يعرف الحق. ولهذا وضع الله نظام الشهود في القضاء حتى لا يُدان إنسان بدون دليل، كما جاء في سفر التثنية: "على فم شاهدين أو ثلاثة شهود تقوم كل كلمة" (تثنية 19:15) لكن إذا كان الشهود أنفسهم يكذبون، فإن هذا النظام يفقد قيمته ويصبح الظلم ممكنًا.
ماذا قال الرب نفسه عن الشهادة بالزور؟
"شاهد الزور لا يتبرأ، والذي يتفوه بالأكاذيب لا ينجو". (سفر الأمثال 19:5)
"هذه الستة يبغضها الرب، وسبعة هي مكرهة نفسه: عيون متعالية، لسان كاذب، ويدان سافكتان دمًا بريئًا، قلب ينشئ أفكارًا رديئة، أرجل سريعة الجريان إلى السوء، شاهد زور يفوه بالأكاذيب، وزارع خصومات بين إخوة" (سفرالأمثال (16:6-19
الأضرار التي تسببها الشهادة بالزور
1. الضرر الأول هو ظلم الأبرياء، فقد يُعاقب إنسان لم يفعل شيئًا بسبب شهادة كاذبة. وهذا ظلم كبير أمام الله والناس.
2. الضرر الثاني هو انتشار الفساد في المجتمع. فإذا اعتاد الناس على الكذب في الشهادة، ستضيع الثقة بين الناس ولن يعود العدل موجودًا.
3. أما الضرر الثالث فيعود على الشخص نفسه. فالإنسان الذي يشهد بالزور يفقد احترام الناس وثقتهم، ويصبح معروفًا بالكذب. كما أن ضميره قد يتعب بسبب ما فعله، لأنه يعلم في داخله أنه شارك في ظلم شخص آخر.
أمثلة من الكتاب المقدس عن الشهادة بالزور
1. الشهادة الكاذبة ضد نابوت:
من أشهر الأمثلة قصة نابوت في سفر الملوك الأول. عندما أراد الملك آخاب أن يأخذ كرم نابوت ورفض نابوت، دبّرت إيزابل خطة شريرة حيث أحضرت شهودًا كذبة اتهموا نابوت بالتجديف
"فأتوا برجلين من بني بليعال وجلسا تجاهه وشهدا عليه" (1ملوك 13:21) وبسبب هذه الشهادة الكاذبة قُتل نابوت ظلمًا. لكن الله لم يترك الأمر بلا حساب، بل أعلن دينونته على آخاب وإيزابل.
2. الشهادة الكاذبة ضد يسوع المسيح
حتى يسوع المسيح نفسه تعرّض لشهادات كاذبة أثناء محاكمته. فقد حاول رؤساء الكهنة أن يجدوا شهود زور ضده كما ورد في إنجيل متى: "أما رؤساء الكهنة والمجمع كله فكانوا يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه" (متى 26:59). وهذا يوضح أن الشهادة الكاذبة كانت وسيلة استخدمها الناس لتحقيق أهدافهم الشريرة
3. الشهادة الكاذبة ضد استفانوس
كما حدث الأمر نفسه مع استفانوس في سفر أعمال الرسل: "وأقاموا شهود زور" (أعمال 6: 13) وقد أدت هذه الشهادة إلى قتله ظلمًا.
4. الاتهام الكاذب ضد يوسف
يوسف الصديق تعرّض لاتهام غير صحيح عندما اتهمته امرأة فوطيفار ظلمًا بأنه حاول أن يسيء إليها "جاء إليّ العبد العبراني الذي جلبته لنا ليداعبني" (تكوين 17:39) وبسبب هذا الاتهام الكاذب أُلقي يوسف في السجن رغم براءته.
5. الشهادة الكاذبة ضد إرميا النبي
النبي إرميا تعرّض أيضًا لاتهام باطل عندما اتهمه بعض القادة بأنه يحاول الهرب إلى الكلدانيين "قبضوا على إرميا وقالوا له: أنت ساقط إلى الكلدانيين" (سفر إرميا 37: 14) وبسبب هذه التهمة الكاذبة سُجن إرميا ظلمًا.
6. الاتهامات الكاذبة ضد دانيال
دبّر بعض رؤساء المملكة خطة لإيقاع دانيال لأنه كان أمينًا ومحبوبًا من الملك. فوضعوا قانونًا يمنع الصلاة لأي إله غير الملك، وعندما وجدوه يصلي اتهموه أمام الملك "إن دانيال الذي من بني سبي يهوذا لم يجعل لك أيها الملك اعتبارًا" (دانيال 6:13). وبسبب هذا الاتهام أُلقي دانيال في جب الأسود، لكن الله أنقذه وأظهر براءته
7. الاتهامات الكاذبة ضد بولس الرسول
في العهد الجديد اتهم بعض اليهود بولس الرسول باتهامات غير صحيحة أمام الحكام الرومان "وجدنا هذا الرجل مفسدًا ومهيّج فتنة" (أعمال 24:5). كانت هذه شهادة غير صحيحة وكان هدفها إيقاع الأذى ببولس بسبب خدمته للمسيح.
عقوبة الشهادة الكاذبة في الكتاب المقدس
لم يكتف الكتاب المقدس بالتحذير من الشهادة بالزور، بل أوضح أيضًا أن لها عقوبة. ففي الشريعة القديمة كان الشخص الذي يشهد كذبًا يُعاقب بنفس العقوبة التي كان يريد أن تقع على الشخص الذي اتهمه ظلمًا. وقد ورد ذلك في سفر التثنية حيث يُطلب من القضاة التحقيق جيدًا، وإذا اكتشفوا أن الشاهد كاذب يُعامل بحسب الشر الذي قصده لغيره. هذا يظهر أن الله يهتم بالعدل ويرفض الظلم والكذب.
ففي سفر التثنية جاء: “تفعلون به كما نوى أن يفعل بأخيه.” (تثنية 19:19). أي أن الشاهد الكاذب كان يُعاقب بنفس العقوبة التي أراد أن تقع على الشخص الذي اتهمه ظلمًا.
دعوة إلى قول الحق
تحتل مسألة الصدق في الشهادة مكانة أساسية في الكتاب المقدس، لأن الشهادة هي إحدى الوسائل التي يظهر بها الحق ويُحفظ بها العدل بين الناس. فعندما يقف الإنسان ليشهد، فإنه لا يتكلم أمام البشر فقط، بل يقف أيضًا أمام الله الذي يعرف القلوب والنيات. ولهذا السبب شدّد الكتاب المقدس على خطورة الشهادة الكاذبة، لأنها قد تؤدي إلى ظلم الأبرياء وتدمير حياة الآخرين.
الله يدعو الإنسان دائمًا إلى الصدق. فقول الحق يحمي المجتمع ويمنع الظلم. كما أن الإنسان الصادق يعيش بسلام مع ضميره ومع الله. لذلك يجب على الشاهد أن يتحلى بالشجاعة والأمانة، وأن يقول الحقيقة حتى لو كان ذلك صعبًا.
وقد جاء في سفر زكريا: "تكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه" (زكريا 8:16) فالصدق في الشهادة يحفظ المجتمع من الظلم ويجعل العدالة ممكنة.
خاتمة
الشهادة بالزور ليست مجرد كذبة عابرة، بل خطية خطيرة قد تدمر حياة الآخرين وتفسد العدل في المجتمع. لذلك يؤكد الكتاب المقدس على أهمية الصدق في الشهادة ويحث الإنسان على أن يكون أمينًا في كلامه وأفعاله. فالشاهد الصادق يساهم في نشر العدل والسلام، أما الشهادة الكاذبة فتجلب الظلم والفساد.





