كتب - محرر الاقباط متحدون
ترأس أمس، قداسة البابا لاون الرابع عشر، رتبة درب الصليب في يوم الجمعة العظيمة، بالكولوسيوم، حيث تحوّلت محطات الآلام الأربع عشرة إلى مساحة تأمل عميق في واقع الإنسان المعاصر، وسط عالم تتنازعه السلطة والعنف من جهة، والبحث عن المحبة والكرامة من جهة أخرى.
واستندت التأملات، التي أعدّها الأب فرانشيسكو باتون، إلى آلام المسيح، وتعاليم القديس فرنسيس الآسيزي، وذلك في إطار إحياء الذكرى المئوية الثامنة لوفاته، مقدّمة قراءة روحية معاصرة لدرب الآلام كمرآة تعكس أزمات العالم اليوم.
وسلّطت التأملات الضوء على التناقض الحاد بين سلطة الإنسان، وقوة الحب الإلهي، حيث برز مشهد محاكمة المسيح أمام بيلاطس كإدانة واضحة لوهم السلطة المطلقة، وتذكير بأن كل من يملك قرارًا في قضايا الحرب، أو السلام، والعدل، أو الظلم، سيُساءل أمام الله عن أفعاله، معتبرًا هذا البُعد دعوة صريحة لمراجعة أنماط الحكم التي تستغل السلطة لقمع الشعوب، وانتهاك كرامة الإنسان.
وفي أحد أكثر المشاهد تأثيرًا، توقفت التأملات عند لحظة تجريد المسيح من ثيابه، باعتبارها انعكاسًا صارخًا لانتهاكات معاصرة تشمل التعذيب، والإذلال، والاستغلال، الإعلامي والجسدي، وانتهاك الخصوصية الإنسانية. وفي المقابل، دعت إلى ارتداء قيم التواضع، والرحمة، وصون كرامة الإنسان في جميع الظروف.
كذلك، شدّدت التأملات على قدسية الجسد البشري حتى بعد الموت، في ظل مشاهد معاصرة تُحرم فيها الجثث من الدفن اللائق، أو تُمنع العائلات من وداع أحبائها، مؤكدة أن الكرامة الإنسانية لا تُسلب، حتى في لحظات الضعف، أو الخطأ.
وفي قلب الرسالة، برز الصليب كمقياس حقيقي للسلطة، لا باعتباره أداة هيمنة، بل علامة حبّ يبذل ذاته، ويغفر، وهو الملكوت الذي أعلنه المسيح من على خشبة الصليب.
وامتدت التأملات لتربط بين شخصيات درب الآلام، وواقع الإنسان اليوم، فظهر سمعان القيرواني رمزًا للمتطوعين الذين يساندون المتألمين، فيما مثّلت القديسة فيرونيكا صورة لكل من يرى وجه المسيح في المهمّشين، والمتألمين. كما جسّدت نساء أورشليم معاناة النساء في الحروب والمآسي، بينما بقيت مريم العذراء صورة الأم التي تحتضن آلام الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن بسبب العنف والهجرة.
واختتمت الرتبة برسالة واضحة مفادها أن درب الصليب ليس مجرد طقس سنوي، بل مسيرة حياة يومية، تُدعى فيها الإنسانية إلى حمل الصليب بروح المحبة، لا الاستسلام، كطريق حقيقي لتغيير العالم، وبناء إنسانية أكثر عدلًا ورحمة.




