كمال زاخر
صرنا تروس مختلفة الأحجام في آلة لا تتوقف عن الدوران، تملك خاصية تغيير الترس الذي يُستهلك دون أن تتوقف أو حتى تلتفت إليه
أشياء كثيرة فينا تتغير ببطء شديد لا نكاد نلحظه، ونحن نكبر يوما بعد يوم قد تتسع مداركنا، وتتطور تفاصيل يومنا.
لم نعد ذلك الطفل الذي يملأ الدنيا حركة ولهوا ومرحاً، يرى الدنيا كلها في أمه، وكل الأمان والحماية في أبيه، والونس والدفء في اخوته، وقت ان كان بيت العائلة لا يغلق بابه فالضيوف لا ينقطعون خاصة يوم الأحد، أو الجمعة. يتحلقون حول المائدة يتسامرون ويضحكون ويطرحون ما يشغلهم، بود وحب، فاذا بالود يغيب! وتختزل اللقاءات في المناسبات، وتتقلص لتصبح بعض كلمات بلا روح في رسالة يحملها التليفون المحمول، فرحاً وعزاءً ومناسبات اجتماعية.
وتتبدل خريطتنا الإجتماعية يدخلها اشخاص جدد ويخرج منها آخرون، وقد تتبدل مواقعهم كما تتبدل مواقع قطع الشطرنج بين مربعاتها المتباينة. بين الصداقة والمودة حيناً والبعد والقطيعة حيناً، يتحكم فيها بوصلة المصلحة.
وقد نخرج من رقعة الشطرنج بجملتها، ليس بالضرورة موتاً، بل ربما لأن الزمن تجاوزنا، أو لأنه لم يعد متسقا مع منظومة قيمنا وأفكارنا وقد صارت "دقة قديمة"، أو لتراجع قدرتنا على العمل والعطاء وقد وهن الجسد وهرم، في مجتمع يرانا رقماً في معادلة، لنتحول إلى عبء قد يتحمله البعض وفاء، فيما ندر، أو تنفيذا لوصايا أخروية إتقاء لعقاب وقر في ذهننا الغيبي، أو لحفاظ على صورة اجتماعية نحرص على رسمها.
تبقي الذكريات تؤنسنا بعض الشيئ وحتي هذه يحجبها بعد حين تصلب الشرايين ومعه يتباطأ وصول الدم إلى مراكز التذكر ثم يباغنا ألزهايمر الذي يتربص بالعقول التي اجهدها التفكير بامتداد عقود.
لم نعتد على تسجيل يومياتنا، فهي ثقافة استبدلناها بالحكي الشفاهي حيناً، حتى تاريخنا العام ليس اكثر من حكايات لا تعتمد على التوثيق، تتناقلها اجيال لتضيف اليها وتحذف منها، يحكمها الهوى الشعبي والسلطوي، لا يتصدره إلا غرفة الصالون أو كما يسميها البعض "غرفة الضيوف" التي نحرص على ترتيبها ورونقها، بينما بقية الغرف "تقلب تعدل"، يحدث هذا حتي مع حياتنا الشخصية و "منظرنا قدام الناس".
ومازال الفيلم التلفزيوني "أيوب" الذي جسده الفنان عمر الشريف يكشف جانبا من موقفنا من كتابة المذكرات، سواء في الدوائر الحميمية أو القريبة أو دوائر المصالح، وقد انتهى الفيلم باطلاق الرصاص على سيارته لتتطاير أوراق المذكرات مختلطة بدماءه لتغطي الشاشة بجملتها.
وغالبا لا نبدو سعداء إلا أمام الكاميرا "نضحك عشان الصورة تطلع حلوة.".
يحدث هذا في محميتننا الطبيعية، التي تشهد حرصا على العبادة واداء فروض وطقوس الأديان بالتوازي مع عدم الالتزام بأبسط مطاليب الحياة السوية التي ترسمها الأديان نفسها، زغير بعيد يعيش الفساد بصوره المتعددة.
ليبق السؤال ماذا حدث لنا؟.





