بقلم: جميل دياربكرلي
المدير التنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان
تنساب حكايات نيسان فوق ضفاف دجلة والفرات كجريان الماء في عروق الحضارة، حيث يطل "أكيتو" في مطلع الربيع ليعيد صياغة مفهوم الزمن في الوجدان النهريني، معلناً حلول رأس السنة البابلية الآشورية التي تبلغ اليوم عامها الـ 6776. يحول هذا التاريخ العريق الاعتدال الربيعي من مجرد ظاهرة فلكية إلى لحظة انبعاث كوني شامل، ويمتد الاحتفال في الذاكرة الجمعية كجسر يربط الإنسان البدئي بقوى الطبيعة، فكانت الأيام الاثنا عشر تمثل صراعاً درامياً يتوج بانتصار قوى التنظيم على ركام العماء، ليعلن الإنسان الآشوري من خلالها ولادة عالم جديد يحكمه العدل والقانون. هذا المخاض الحضاري أنتج للعالم أرقى صياغات المدنية، بدءاً من ملاحم الأدب المحفوظة في مكتبة نينوى، وصولاً إلى فنون العمارة وتقنيات الإدارة التي أرست دعائم الإمبراطورية الأولى، مما جعل من الإرث الآشوري مادة خاماً بنيت عليها معارف الأمم اللاحقة.
تتقاطع هذه الرمزية التاريخية بوضوح مع السردية المسيحية المشرقية، حيث وجد المؤمنون في قيامة السيد المسيح صدىً لاهوتياً لانبعاث الحياة الذي احتفى به أجدادهم طويلاً في نيسان، فامتزجت طقوس البركة وتفتح الزهور بمعاني الرجاء والخلاص، ليصبح الأكيتو مناسبة تتصالح فيها الهوية القومية مع المعتقد الديني في بوتقة واحدة. ويتجلى هذا الترابط اليوم في الحراك القومي الذي يحول الأول من نيسان إلى منصة سياسية وثقافية، تعبر من خلالها الجماهير في مدن الخابور وسهول نينوى وبلاد الاغتراب عن تشبثها بجذورها الأصيلة. إن المسيرات التي ترفع الأعلام والرموز التاريخية تمثل قراءة حية لواقع شعب يستمد من عراقة الماضي قدرة على مواجهة تحديات الحاضر، مؤكداً أن الحضور الآشوري يمثل جزءاً لا يتجزأ من التعددية المشرقية.
تستقر دلالات الأكيتو في نهاية المطاف كفعل صمود يتجاوز حدود الاحتفال العابر، ليصبح مشروعاً لاستعادة الذات وبناء الوعي الجماعي حول قضية الوجود والبقاء. إن استمرار إحياء هذا اليوم بكل ما يحمله من زخم تاريخي يمتد لآلاف السنين وحضور شعبي متجدد، يضع العالم أمام حقيقة تاريخية مفادها أن الحضارات العظمى قد تضعف لكنها تمتلك قدرة فطرية على التجدد. وهكذا يبقى نيسان، بعامه الـ 6776، شاهداً على قدرة الإنسان النهريني على صياغة مستقبله من وحي أساطيره القديمة، محولاً ذكرى السنة الجديدة إلى وعد دائم بالاستمرار والحرية فوق تراب الأرض التي شهدت أولى خطوات البشرية نحو النور.





