(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
«وكانَ ذٰلكَ اليَومُ يَومَ التَّهيِئَة، فَسأَلَ اليَهودُ بيلاطُس أَن تُكسَرَ سُوقُ المَصلوبين وتُنزَلَ أَجسادُهُم، لِئَلَّا تَبْقى على الصَّليبِ يَومَ السَّبت، لِأَنَّ ذاكَ السَّبْتَ يَوْمٌ مُكرَّم. فجاءَ الجُنودُ فكَسروا ساقَيِ الأَوَّلِ والآخَرِ اللَّذَينِ صُلِبا معَه. أَمَّا يسوع فلَمَّا وَصَلوا إِليه ورأَوهُ قد مات، لَم يَكسِروا ساقَيْه، لٰكِنَّ واحِدًا مِنَ الجُنودِ طَعَنه بِحَربَةٍ في جَنبِه، فخَرَجَ لِوَقتِه دَمٌ وماء.
والَّذي رأَى شَهِد، وشَهادَتُه صَحيحة، وذاك يَعلَمُ أَنَّه يَقولُ الحَقَّ لِتُؤمِنوا أَنتُم أَيضًا. فقد كانَ هٰذا لِيَتِمَّ الكِتاب: "لن يُكسَرَ له عَظْم". ووَرَدَ أَيضًا في آيةٍ أُخرى مِنَ الكِتاب: "سَيَنظُرونَ إِلى مَن طَعَنوا". وبَعدَ ذٰلِك جاءَ يوسُفُ الرَّاميّ، وكانَ تِلميذًا لِيَسوعَ يُخْفي أَمرَهُ خَوفًا مِنَ اليَهود، فسأَلَ بيلاطُسَ أَن يأخُذَ جُثمانَ يَسوع، فأَذِنَ له بيلاطُس. فجاءَ فأَخَذَ جُثْمانَه» (يوحنّا 19: 31-38).
تتناول هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، وفقًا للبشائر الأربعة كلّها (مرقس 15: 46؛ متّى 27: 59؛ لوقا 23: 53؛ يوحنّا 19: 38)، مسألةَ إنزال جُثمان أو جسد يسوع المائت عن الصليب. ولعلّ هذا يشير بدوره إلى استكمال واكتمال مسيرة نزول اللوغُس من السماء، وتجسُّده، وكذلك انسلاخه وتخلّيه وتجرّده. وهذا هو بالحقيقة جوهر التواضع الأصيل، الذي أمامه نخجل جميعنا خجلًا شديدًا؛ فمع كوننا تلاميذ ليسوع المسيح، ولكنّنا أمام اختبار التواضع والتخلّي والتجرّد نخفق جميعًا، وفي أحيانٍ كثيرة، وفي أكثر من موقف.
من جهةٍ أُخرى، ووفقًا لآباء الكنيسة والتقليد الكنسيّ، ولا سيّما القدّيس أَوْغسطينُس، يشير الدَّمُ والماء، الخارجان من جَنبِ يسوع المصلوب، على إثْر طعنةِ واحدٍ من الجُنودِ له (يوحنّا 19: 34)، إلى أكثر من أمرٍ ذي مَغزَى: 1) إلى سرّيّ المعموديّة والإفخارستيا، إذ إنّ يسوع المسيح قد «جاءَ بِسَبيلِ الماءِ والدَّم [...] لا بِسَبيلِ الماءِ وَحْدَه، بل بِسَبيلِ الماءِ والدَّم.
والرُّوحُ يَشهَد، لِأَنَّ الرُّوحَ هو الحقّ» (1 يوحنّا 5: 6)؛ 2) وكذلك، إلى ولادة الكنيسة من جَنبِ آدم الجديد المطعون بالحربة والنائم على الصليب، على غرار خروج حواء من ضِلْع آدم الأوّل، الذي أوقَعَ الربُّ الإِلهُ عليه "سُباتًا عَميقًا" (تكوين 2: 21-22).
انطلاقًا من بشارة القدّيس يوحنّا (19: 25-27)، ووفقًا لتقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب، ثمّة عنصرٌ آخر مهمّ، وهو تسليم جُثمان أو جسد يسوع المائت، بعد إنزاله، إلى أُمّه العذراء مريم، التي كانت وَاقِفةً هُناكَ عِند صَليبه.
يا له من موقفٍ قاسٍ للغاية؟! فعند إنزال جُثمان ابنها، تأخذه بين يَدَيها كشابٍ مفارق الحياة، وهي التي احتضنته بين يَدَيها مِن قَبْل، طيلة أكثر من ثلاثين عامًا.
إنّها الأُمُّ –على غرار أُمّهات أُخريات كثيرات– التي استقبلت طفلها حيًّا، في المهد، بعد ولادته، واضطرّت إلى استقباله شابًا فاقد الحياة، في اللحد، بعد قتله! إنَّ هذا لجزءٌ من أحزان العذراء مريم وأَوْجَاعها وآلامها؛ فهي حقًّا "سيّدة الأَوْجَاع"! وقد ألمحت الأناجيلُ القانونيّة الأربعة –وإن كان بشكلٍ مستترٍ– إلى أحزانها وآلامها (لو 2: 35)، من جرّاء معاصرتها ومعاينتها لأحداث صَلْب ابنها، وموته، ودفنه.
وما يهمّ هنا حقًّا أنّها، عبر مُرورها بهذا كلّه، لم تكن أُمًّا مُحِبّةً لابنها فحسب، بل هي تلميذته الأمينة والنموذجيّة أيضًا.





