(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
«وبَعدَ ذٰلِك جاءَ يوسُفُ الرَّاميّ، وكانَ تِلميذًا لِيَسوعَ يُخْفي أَمرَهُ خَوفًا مِنَ اليَهود، فسأَلَ بيلاطُسَ أَن يأخُذَ جُثمانَ يَسوع، فأَذِنَ له بيلاطُس. فجاءَ فأَخَذَ جُثْمانَه. وجاءَ نيقوديمُس أَيضًا، وهوَ الَّذي ذهَبَ إِلى يَسوعَ لَيلًا مِن قَبلُ، وكانَ مَعه خَليطٌ مِنَ المُرِّ والعودِ مِقدارُه نَحوُ مائةِ دِرهَم.
 
 
فحَمَلوا جُثْمانَ يسوع ولَفُّوهُ بِلَفائِفَ مع الطِّيب، كما جَرَت عادةُ اليَهودِ في دَفنِ مَوتاهُم. وكانَ في المَوضِعِ الَّذي صُلِبَ فيهِ بُستان، وفي البُستانِ قَبرٌ جَديد لم يَكُنْ قد وُضِعَ فيهِ أَحَد. وكانَ القَبرُ قَريبًا فَوضَعوا فيه يَسوع بِسَبَبِ تَهْيِئَةِ السَّبْتِ عِندَ اليَهود» (يوحنّا 19: 38-42).
 
بعد تَعرية يسوع الناصريّ، وتسميره على صليبه، وموته، وإنزاله من صليبه، لم يتبقَّ إلّا أمر دَفْنه في ظلام القَبْر، ووحدته. تتعلّق هذه المرحلةُ أو المحطّة من دَرْب الصليب، بقضيّةٍ خطيرةٍ للغاية، وهي "دَفْنُ" يسوع المسيح؛ أعني وَضْع جُثْمانه في "قَبرٍ جَديد".
 
وبغضّ النظر عن المسائل التاريخيّة الخاصّة بعادات اليَهودِ "في دَفنِ مَوتاهُم"، وموقع قَبْرِ الناصريّ، يتّضح لنا جليًّا أنّ دَفْنه في حدّ ذاته لهو مِن الحقائق المسيحيّة المبكّرة الواردة في البشائر الأربعة كلّها (مرقس 15: 46؛ متّى 27: 59-60؛ لوقا 23: 53؛ يوحنّا 19: 40-42)، وفي مضمون الكِرازة البُولسيّة (1 قورنتِس 15: 3-4) أيضًا، وكذلك في قوانين الإيمان الأُولى (مثل قانون الإيمان الرسوليّ، وقانون الإيمان الإيمان النِّيقاويّ-القسطنطينيّ). 
 
لقد بلغت مسيرةُ انسلاخ اللوغُس المتجسّد، وتخلّيه، وتجرّده، مرحلةَ الذروة؛ فبعد تَعريته، وتعذيبه، وتسميره، وموته، وإنزاله من الصليب، أَمْسى جُثْمانَ أو جُثّةَ شخصٍ قد فارق الحياة، وجاءت لحظةُ دَفْنه في قَبْرٍ، في جوف الأرض. أجل، لقد مات ابنُ الله المتجسّد، ودُفِنَ، وصار جُثّةً هامدةً؛ وقد "نزل إلى الجحيم من قِبَل الصليب".
 
لقد تضامن معنا في الموت وقسوته، وفي كونه جُثّةً هامدةً في جوف الأرض؛ ولكنّه قد تضامن معنا أيضًا في الذهاب إلى ما هو وراء الموت، وما هو أبعد منه، أي القيامة والحياة والخُلود. لقد «قَضى على المَوت وجَعَلَ الحَياةَ والخُلودَ مُشرِقَينِ بِالبِشارة» (2 طيموتاوس 1: 10). 
 
وعلى هذا النحو، فإنّ "حَبَّةَ الخَردَل-الحِنطَة" المدفونة في الأرض، ستُخرِج ثَمَرًا كثيرًا (مرقس 4: 31-32؛ متّى 13: 31-32؛ لوقا 13: 18-19؛ يوحنّا 12: 24)؛ وسيقوم آدم الجديد –مُخَلِّصُنا يسوعَ المسيح– من التُّراب، من جوف الأرض، ونحن معه (رُومة 5: 12-21؛ 1 قورنتِس 15: 20-22؛ 45-49)، كآدم الأوّل الذي خرج من تُراب الأَرض (تكوين 2: 7)؛ وستنبعث من رائحة الأموات والقبور العَفِنة عَبَقُ القيامة الزكيّ.
 
«وهو الَّذي في أَيَّامِ حَياتِه البَشَرِيَّة رَفَعَ الدُّعاءَ والِابتِهالَ بِصُراخٍ شَديدٍ ودُموعٍ ذَوارِفَ إِلى الَّذي بِوُسعِه أَن يُخَلِّصَه مِنَ المَوت، فٱستُجيبَ لِتَقْواه. وتَعَلَّمَ الطَّاعَةَ، وهو الِابن، بما عانى مِنَ الأَلَم.
ولَمَّا بُلِغَ بِه إِلى الكَمال، صارَ لِجَميعِ الَّذينَ يُطيعونَه سَبَبَ خَلاصٍ أَبَدِيّ، لِأَنَّ اللهَ أَعلَنَه عَظيمَ كَهَنَةٍ على رُتْبَةِ مَلكيصادَق» (عبرانيّين 5: 7-10).
 
في خِتام مراحل أو محطّات دَرْب الصليب، وانطلاقًا من هذه المرحلةُ أو المحطّة، نحن مدعوّون أن نعيش ما تأمّلنا فيه، وأن نتعمّق –بالفكر والفِعْل– في هذه الكلمات، التي تُلخِّص بدورها دَرْب صليب يسوع المسيح، ودَرْبنا معه وفيه: «إِنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض، إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإِذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَرًا كثيرًا.
 
مَن أَحَبَّ حياتَه فقَدَها، ومَن رَغِبَ عنها في هٰذا العالَم، حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة. مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني، وحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي، ومَن خَدَمَني أَكرَمَه أَبي» (يوحنّا 12: 24-26).