بقلم الأب يسطس الأورشليمى
وأنجيل اليوم يتكلّم عن المُولُود أعمى، أي حياة الاستنارة ونجد في مزمُور عشية حيث يشرح لنا سلُوكيات الشخص الذي نأخذه في المعمُودية أما في مزمُور باكر، الذي يقُول فيه: جرّبني يارّب وامتحنّي، صفّ كُليتيّ وقلبي، فيُشير إلي المسيح الُوحيد الذي استطاع أن يرضي الآب، فقد نفذ كُل الوصايا وتمم كُل النبُوات، وقال: مَن منكم يبكتني على خطية؟ وكُل ما تطلبُونه من الآب باسمي يُعطى لكُم (يو46:8؛ 16:15)..
عندما نتأمل في القراءات نجد فُوائد المعمُودية، ولماذا ثلاث غطسات؟! ففي اليوم الأول لعن شجرة التين، أي الخطية الذاتية وترفض الرياء، وفي اليوم الثاني قدم جسده ودمه الأقدسين، أي بعد العمل السلبي ورفض الرياء والإنسان العتيق، نلبس الجديد الرّب يسُوع وهو العمل الإيجابي، فالتُوبة تسبق الإيمان، لذلك يقُول: تُوبُوا وآمنُوا بالإنجيل..
الغطسة الأولى: خلعنا الإنسان العتيق الذي لا يحبه الآب..
وفي الثانية: غطسنا باسم الابن ولبسنا الجديد الرّب يسُوع المسيح..
وفي الثالثة: بالرُوح القُدس صلبنا العتيق وقمنا معه (غل20:2)..
وفي إنجيل باكر إنجيل الُويلات (مت23)، فهُم قديسين من الخارج حيثُ الرياء، لكنهُم أشرار من الداخل، أما في البُولس (كو5:3-17) إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدّد للمعرفة حسب صُورة خالقه، بينما في الكاثُوليكُون (1يو13:5) حيثُ يقُول: هذه الثقة التي لنا عنده أنه إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا، فهُو نُور العالم، وخُبز الحياة والراعي الصالح، باختصار هُو: الألف والياء وكُل شيء لنا..
وفي الابركسيس (أع27:27)، يُركز على السفينة المُتجهة من أورشليم إلى رُوما، وهي ترمز إلى مسيرة الكنيسة ورحلتها من البداية حتى النهاية، وفي المعمُودية قطع الحبال التي تربطنا بالعالم الذي يُغرق، لذلك نقُول: أجحدك أيها الشيطان وكُل أعمالك النجسة وجنُودك الشرّيرة..
هذه الأرض محفُوظة لحريق النار(2بط7:3)، فالقي بنفسك إلى قارب الإنقاذ، وأقطع الحبال التي تربطك بالعالم المُوضُوع في الشرّير..
أما في إنجيل القُداس (يو9)، فيتكلّم عن حياة الاستنارة، وفي المعمُودية استنارة، حيثُ نلبس الرّب يسُوع، بعد أن قطعنا ارتباطنا بالعالم، وكانت الاستنارة بالنسبة للمُولُود أعمى عبارة عن ثلاث خطُوات:-
أولاً: مَن فتح عينك؟! إنسان يقال له يسُوع..
ثانياً: ثم قال الأعمى: أرى أنه نبياً..
ثالثاُ: قال: أؤمن يا سيد، وسجد له، فقال يسُوع: لدينُونة أتيت أنا إلى هذا العالم، حتى يُبصر الذين لا يُبصرُون ويعمى الذين يُبصرُون..
أنها معجزة تفوق الوصف، ولكنها ترمز إلى إنساننا العتيق الذي غمرته الخطية وجعلته مولوداً بها، وهذا هُو حال البشر قبل مجيء المُخلّص، لأنه ليس بار ولا واحد ليس مَن يفهم ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا واحد، ولكن كان اجتياز المُخلّص بجوار هذا المولود هُو نافذة الرجاء التي أشرقت بنورها في عالم الإنسانية المُظلم غير القادر على العطاء، بل غاص في بحار الخطية في صورها المُختلفة، هذه التي يوجه الرسُول بُولس نظرنا إليها حتى لا نرجع إليها مرة أخرى بعد أن أنار الرّب لنا قلوبنا وعيوننا بنُور نعمة المعمودية التي ترمز إليها بركة سلوام، فيقول:
فأميتوا أعضاءكُم التي على الأرض: الزنا، النجاسة، الهوى، الشهوة الردية الطمع الذي هُو عبادة الأوثان، الأمور التي من أجلها يأتي غضب الله على أبناء المعصية الذين بينهم أنتم أيضاً سلكتم قبلاً، حين كنتم تعيشون فيها .. ولبستم الجديد الذي يتجدّد للمعرفة حسب صورة خالقه.. (رو10:3-13؛ كو5:3-10)..
الجيران والذين كانوا يرونه قبلاً أنه كان أعمى قالوا: أليس هذا هُو الذي كان يجلس ويستعطي، آخرون قالوا: هذا هُو وآخرون إنه يشبهه، وأما هُو فقال: أني أنا هُو، فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟!
أجاب ذاك وقال: إنسانٌ يقال له يسُوع صنع طيناً وطلى عيني، وقال لي: اذهب إلى بركة سلوام واغتسل، فمضيت واغتسلت فأبصرت.. فقالوا له: أين ذاك؟ قال لا أعلم.. (يو8:9-34)..
لقد سيطر الحقد والكراهية على ذاك المجتمع اليهودي المتعصب بكُل طوائفه المُختلفة، فصاروا جميعاً عمياناً لا يرون النور الحقيقي الذي أتى إلى العالم ولم يعرفوه أو يعطوا لأنفُسهم فرصة لكي يعرفوه فحكموا عليه أنه خاطيء، وأنه يكسر السبت، وأنه ليس من الله، وجدفوا وشتموا وأبحروا بسفينة الخطية حتى وصلوا إلى شاطيء الهلاك..
هؤلاء يقول لهم الكتاب في وصية المحّبة:
أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرةً لنعرف الحقّ، ونحنُ في الحقّ في ابنه يسُوع المسيح، هذا هُو الإله الحقّ والحياة الأبدية (1يو20:5)، فيا ليتهم يفهمون ويرجعون عن طريق ضلالهم..
فسمع يسُوع أنهم أخرجوه خارجاً، فوجده وقال له: أتؤمن بابن الله؟ أجاب ذاك وقال: مَن هُو يا سيد لأومن به؟ فقال له يسُوع: قد رأيته، والذي يتكلّم معك هُو هو!! فقال: أومن يا سيد! وسجد له..
فقال يسُوع: لدينُونةٍ أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يُبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يُبصرون، فسمع هذا الذين كانوا معه من الفريسيّين، وقالوا له: ألعلّنا نحنُ أيضاً عميانٌ؟ فقال لهُم يسُوع: لو كنتُم عُمياناً لما كانت لكُم خطية ولكن الآن تقولون إننا نبصر، فخطيتكُم باقيةٌ..
استنار المولود أعمى بنور المعمودية التي اغتسل فيها، وخرج مُبصراً فعرف الطريق، والإيمان الصحيح وذهب إلى حيثُ الرّب جالس، ومن مقابلته ثانية للرّب تشدّد إيمانه وعرف الرّب، وسجد له مُعلناً إيمانه العملي بالسجود لمَن يستحق السجود مؤكداً أن صموده أمام التيارات المتعصبة كان نتيجة إيمانه بالله الذي أرسل ابنه لكي يُخلّص ما قد هلك، مُعلناً محبة الآب السماوي للبشر، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كُل مَن يُؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية..
كانت شرعية إيمان المولود أعمى ممثلة في معموديته وطاعته وسجوده الذي جعله من فصيلة أولاد الله المسلحين بالإيمان، والأعمال الصالحة كما قال الرسُول بُولس: فالبسوا كمُختاري الله القدّيسيين المحبوبين أحشاء رأفاتٍ، ولطفا،ً وتواضعا،ً ووداعةً، وطول أناةً، مُحتملين بعضكُم بعضاً، ومُسامحين بعضكم بعضاً .. ولتسكُن فيكم كلمة المسيح بغنىً، وأنتم بكُل حكمةٍ مُعلّمون ومُنذرون بعضكُم بعضاً بمزامير، وتسابيح، وأغاني روحية، بنعمةٍ مُترنمين في قلوبكم للرّب، (كو12:3-16)..
فهنيئاً لمَن اكتسب البصيرة الروحية والبصر، وشكراً لمَن أعطانا نعمة المعمودية لنبصر مجده ونُؤمن به من كُل قلوبنا..
فسمع يسُوع أنهُم أخرجوه خارجاً، فوجده (يو35:9)..
المسيح هُو الذي يجدنا، وهُو دائماً يبحث عنا، ويفتقدنا في ضيقاتنا، فهُو الذي وجد السامرية ووجد مريض بيت حسدا..
أنه يجد كُل واحد منا في موقع متاعبه، ويُعطي راحة لكُل واحد في الوقت المناسب له، فلقاء يسُوع للأعمى هُو لقاء الأبوة، والتعزية عن طرد خارج المجمع بعد شهادته الشجاعة للحقّ، لأن الرّب يسُوع هُو الطريق والحقّ والحياة..
إذا كانت المعمُودية تجديداً، فلماذا نُخطيء بعدها؟
المعمُودية تجديد: فدُفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلُك نحنُ أيضاً في جدّة الحياة؟ لأنه إن كُنا قد صرنا مُتحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته، عالمين هذا: أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية (رو4:6-7)، ولكنها ليست عصمة من الخطية..
تأخذ في المعمودية ولادة جديدة، وطبيعة جديدة لها قوة وقدرة على الحياة الروحية لكن لا عصمة لنا طالما نحنُ في الجسد..
هُنا نحنُ في اختبار، ومازلنا في حريتنا، لأن نعمة التجديد لا تلغي نعمة الحرية، لذلك الصدّيق يسقط سبع مرات ويقوم..





