حنان فكري
ما بين النور والعتمة ترددت المصابيح ثم انطفأت، استسلمت، واستسلم الناس معها لقرارات تخفيض الأحمال، وترشيد استهلاك، الساعة التاسعة مساءً، المحال مغلقة، أعمدة الإنارة مُطفأة، قاعات الأفراح، صالات التدريب، الأندية والمقاهى، غاب الضجيج المألوف، خلت الشوارع من المارة، وكأن الطرقات مأهولة بالأشباح. سيارات قليلة تتحرك كأنها تتسلل من حظر مفروض. واستوطن الصمت ليالى الربيع.

مشهد ما بعد التاسعة مساءً، هنا، فى مصر، بعدما وصلت شظايا صواريخ الحرب الأمريكية- الإسرائيلية-الإيرانية إلى عتبات البيوت. عبر شحنات النفط المتأخرة فتيبست أبواب الرزق، وحبست الناس فى عتمة الإغلاق، وانتظار شروق الشمس بفارغ الصبر، المواطنون مجبرون على خفض استهلاك الطاقة، ليس لأنهم عاجزون عن دفع فاتورة الكهرباء الباهظة، بل خوفًا من ألا يجدوا لاحقًا ما يحرك محطات التوليد. فالحصار الإيرانى على مضائق النفط رفع أسعار الغاز عالميًا، والغاز هو الوقود الذى يشغل محطات الكهرباء. حروب بعيدة، لكنها صنعت أزمة داخلية تمتد إلى كل شارع، كل منزل، وكل لحظة انتظار أمام العيش بين التوهج والانطفاء. أمام شريط الأخبار، ليخبرنا أن مضيق هرمز على حافة الإغلاق.

هكذا تبدأ الحكاية. ليست حكاية حرب بدأت قبل شهر، بل ضريبة ندفعها لأننا لم نخطط قبل عقود طويلة لأزمات كانت تبدو مستحيلة. مصر دولة تمتلك الغاز، لكنها لا تملك ما يكفى منه للاستهلاك المحلى. تمتلك محطات تصديره، لكنها مضطرة لاستيراده لتشغيلها. كانت لدينا الفرصة للاستثمار فى الطاقة النظيفة- الشمس والرياح- تلك النعمة المجانية التى أهملناها. فمَن عطل هذه الاستثمارات؟، ومَن المسؤول عن التضييق على الفرص الضائعة فى طاقة رخيصة كانت ستمنحنا اليوم قوة استراتيجية عالمية وسط التوترات الجيوسياسية فى الشرق الأوسط؟.

هشاشة الاعتماد على النفط
الحقيقة أن الحرب لم تخلق أزمة الطاقة فى مصر، لكنها كشفت هشاشة الاعتماد على النفط والوقود الأحفورى، بينما الطاقة النظيفة بقيت حلمًا مؤجلًا. فالغاز الطبيعى يحرك 70% إلى 75% من الكهرباء فى مصر، بينما لا تتجاوز مساهمة الطاقة المتجددة 20% إلى 22%- وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)- أرقام تبدو ثابتة على الورق.. لكنها هشة أمام صدمة الحرب. الحرب تصل إلى مفاتيح النور، إلى بيوتنا، عبر ناقلات الغاز العالقة فى انتظار المرور الآمن عبر مضائق النفط، وشحنات لم تصل بعد. أسعار الطاقة قفزت منذ عام 2022- وفق البنك الدولي- وارتفعت فاتورة الاستيراد وضغطت على العملة المحلية، فجعلت الكهرباء فى زمن الأزمات مسألة وقود وليس إنتاجا.

والسؤال اليوم لم يعد: هل لدينا كهرباء؟، بل أصبح: هل لدينا ما يكفى من الغاز لتشغيل محطات توليدها وقت الأزمات؟. الضغط الحالى مرتبط مباشرة بالحرب، وبسوق الغاز الفورية التى تربط الأسعار بتقلبات يومية، فتتحول الأزمة العالمية إلى وجع يمس كل مواطن.

من فائض إلى عجز
هذا الاعتماد الكثيف يجعل أى اضطراب خارجي- «حرب، توتر إقليمى، تعطل إمدادات»- يتحول فورًا إلى أزمة داخلية. فالحرب فى المنطقة لم تكن حدثًا سياسيًا فقط.. بل صدمة طاقة مباشرة، والأرقام تكشف ما لا يُقال. فإجمالى استهلاك الكهرباء فى مصر تجاوز 170 مليار كيلووات/ ساعة سنويًا- وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة- مع نمو سنوى مدفوع بزيادة السكان والتوسع العمرانى. فى المقابل، تظل تكلفة تأمين الوقود- محليًا أو عبر الاستيراد- عبئًا متصاعدًا، خاصة مع تقلبات سعر الصرف وارتفاع أسعار الشحن. بينما يتراجع الإنتاج المحلى للغاز من نحو 6- 7 مليارات قدم مكعب يوميًا إلى ما بين 3.5- 4 مليارات- وفق الوكالة الدولية للطاقة- فعادت مصر لتكون مستوردًا صافياً للغاز منذ عام 2024

ليتحول ميزان الغاز من +8.3 مليار دولار فائضا فى عام 2022 إلى -4.6 مليار دولار عجزا فى عام 2024ـ أى أن واردات الطاقة تقارب 4.8 مليار دولار، هكذا تجاوزت الفجوة 2 مليار قدم مكعب يوميًا- وفقًا للبنك الدولى والبنك المركزى المصري- ولا حل إلا بزيادة الإنتاج.

لكن الإنتاج يحتاج وقتًا.. والحرب لا تنتظر. واستمرار الحصار على النفط ما بين حرق الآبار وحصار المضائق يكفى لإطفاء مدينة، فـ«هرمز».. ذلك الاسم الجغرافى على خريطة الشرق الأوسط، يمر عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وقد اختبرنا الحصار عليه خلال الأيام الماضية فى ارتفاع أسعار البنزين، والمواصلات، والغذاء، واضطربت كل مناحى الحياة. كل هذا لا ينتظر إنتاجا، الإنتاج المأمون كان وجوبيًا فى استثمار الطاقة النظيفة من الشمس والرياح، والتى تم تجاهلها، أو تعطيلها.

الشمس.. التى لم تدخل البيت
الشمس موجودة.. لكنها ليست متاحة، ففى أسوان، الشمس لا تغيب. ومشروع مجمع «بنبان» لإنتاج الطاقة الشمسية، ينتج 3.8 تيراوات/ ساعة سنويًا، بقدرة تصل إلى 1.8 جيجاوات- وفقًا لتقرير التقييم البيئى لمجمع بنبان والبنك الدولي- هذه الطاقة كافية لتغذية جزء محدود من الشبكة القومية، لكنها غير كافية لتغطية كل احتياجات المواطنين.

وتقارير ناسا تؤكد أن المنطقة الأعلى عالميًا فى الإشعاع الشمسى. لكن خارج أسوار المشروع، يبقى الظلام هو نفسه لماذا؟. لأن الشمس بقيت مشروعًا، ولم تصبح حقًا. فتكلفة تركيب الألواح مرتفعة، ومقصورة على القادرين والأثرياء، وغير متاحة للاستخدام المباشر لكل المواطنين. بسبب قصور البنية التحتية لتوليد الكهرباء من الشمس، فهى غير موزعة على نطاق واسع للمنازل، ولا توجد سياسات لتشجيع المواطنين على تركيب أنظمة كبيرة بأسعار معقولة. ونظام صافى القياس محدود، إذ يتيح للمواطنين بيع الفائض من الكهرباء إلى الشبكة، لكنه متاح لعدد قليل جدًا من المشتركين، وغالبًا فى مشاريع صغيرة أو للشركات.

أيضًا إجراءات الربط معقدة، وتتطلب تصاريح وشروطا فنية وإدارية لا يستطيع المواطن العادى تجاوزها بسهولة. وهذا ليس من عندياتى وإنما وفقًا لوزارة الكهرباء- البنك الدولى- برامج الطاقة النظيفة

أما طاقة الرياح التى لا تهدأ فى خليج السويس، فسرعتها تصل إلى 10.5 متر/ ثانية- من الأعلى عالميًا- وفقًا لوكالة الطاقة الدولية IRENA- التى أكدت أن مصر تنتج نحو 3 جيجاوات من طاقة الرياح، تكفى مليون منزل. لكن مَن يملكها؟.

إنها شركات كبرى. أبرمت عقودا طويلة، واستثمارات أجنبية. والمواطن؟. خارج المعادلة. الأزمة ليست فى الموارد.. بل فى القرار والصورة صادمة: معظم الكهرباء من الوقود الأحفورى، وطاقة شمس ورياح وفيرة.. لكنها محبوسة فى شبكة غير مهيأة بالكامل، وأزمة تخزين لا يتم حلها، نعم فتخزين الطاقة يكلف مليارات الدولارات لكل جيجاوات، فى وجهة نظرى المتواضعة أنها لم تكن عصية على التوفير، فقد أنفقت الحكومة فى ملحمة الطوب المستخدم لبناء الكبارى مليارات أيضًا، كان علينا أن نفكر فى الطاقة البديلة حتى تشرق الشمس بلا فاتورة يدفعها الفقراء لأن مَن يستفيد من مشاريع الطاقة الشمسية إما المستثمرين أو الأغنياء. فأى تنمية مستدامة تلك التى أعلنتها الأمم المتحدة، وأوجبت فى أهدافها تحقيق العدالة والمساواة وعدم تخلف أحد عن ركب التقدم؟!، وتضعها الحكومة فى استراتيجياتها المعلنة؟!.

الأزمة ليست أزمة شمس. ولا رياح. بل أزمة سياسات، ظلت المراوغة المقيدة بالبيروقراطية هى السمة المميزة لها، بينما يدفع المواطن ثمن فشل الاستثمار فى الطاقة البديلة، فالفتاة التى لازمت المنزل بسبب عتمة الشوارع بعد التاسعة، والرجل الذى عاد مبكرًا خاوى اليدين من الرزق، والأم التى أطعمت أطفالها خبزًا مغموسًا فقط فى الماء بسبب الغلاء، وأصحاب المطاعم التى أغلقت قبل بلوغ ذروة التنزه ليلًا مع مطلع الصيف، أولئك المنكوبون هم مَن يدفعون ثمن الغاز المستورد، متاحًا كان أو عالقًا بسبب الحرب، فارتفاع أسعار البترول يرفع التضخم.. ويؤثر مباشرة على المعيشة.

طاقة الرياح الاستثمار المغلق
معاناتهم اليوم تحكى أن الحرب هناك.. لكن الألم هنا. فماذا لو كانت أسطح البيوت مصائد للشمس؟، ماذا لو كانت المصانع تبيع فائضها من الكهرباء والشبكة الوطنية تقبل ذلك؟، ماذا لو كانت طاقة الرياح ملكًا للمواطنين، وليست مجرد مشروع مغلق للاستثمار الكبير فقط، يتركز فى مجمعات صناعية كبيرة مملوكة لشركات أو الدولة، فلا تصل مباشرة إلى الفرد العادى، ولا تمنحه القدرة على التحكم بما يستهلك أو بيعه من فائض الطاقة؟.

الأهداف الغائبة للتنمية
ما يحدث ليس أزمة كهرباء.. بل اختبار فاضح لفكرة التنمية المستدامة نفسها. فالدول لا تُقاس بعدد محطاتها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها حين تضطرب الجغرافيا وتشتعل السياسة. الاعتماد على الوقود الأحفورى لم يكن مجرد خيار اقتصادى، بل مقامرة طويلة، دفع ثمنها أولًا: الكوكب كله من المناخ المضطرب بسبب الانبعاثات الملوثة المسببة لظاهرة الاحتباس الحرارى وكل ما ينتج عنه من كوارث، ثانيًا: دفعت ثمنها اليوم البيوت المظلمة. فالتنمية المستدامة لم تكن يومًا شعارات عن المناخ، بل هى وعد بالعدل: أن تصل الطاقة إلى الناس، ولا تُحتجز فى مشروعات مغلقة. الشمس التى تشرق بلا فاتورة، والرياح التى لا تعترف بالحدود، كان يمكن أن تكون درعًا.. لكنها تُركت خارج المعادلة، وهنا تتحول الطاقة من ملف فنى إلى قضية عدالة: مَن يملك القرار، ومَن يدفع الثمن؟.

النتيجة لن تكون رفاهية.. بل هى أمان. إنه الأمان الطاقى، أمان اقتصادى، أمان إنسانى. الحرب ليست اختيارًا، لكن طريقة الاستعداد لها اختيار وتخطيط. مصر لا تفتقر إلى الشمس، ولا إلى الرياح، ولا حتى إلى المشاريع الكبرى. المشكلة هى فقط.. تأجيل القرار. وفى كل مرة تأجيل، يقفز السؤال من جديد: هل نحن أمام أزمة طاقة؟ أم أمام أزمة إدارة ما لدينا من بدائل للطاقة؟.
نقلا عن المصري اليوم