بقلم القمص منقريوس المحرقي
المعمودية”*
في إنجيل يوحنا (ص 9)، لا يقدّم لنا السيد المسيح مجرد معجزة شفاء، بل يفتح أمامنا بابًا لفهم سرّ الخلاص ذاته. فمعجزة شفاء المولود أعمى ليست حدثًا تاريخيًا فقط، بل هي أيقونة حيّة لسرّ المعمودية، لذلك رتّبت الكنيسة قراءتها في أحد التناصير (الأحد السادس من الصوم الكبير)، حيث تهيئ المؤمنين للعبور من الظلمة إلى النور.
أولًا: “أعمى منذ ولادته” — صورة الإنسان بدون نعمة
يقول الكتاب:
«وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلادَتِهِ» (يو 9: 1)
هذا العمى ليس مجرد مرض جسدي، بل رمز عميق لحالة الإنسان قبل المعمودية:
• الإنسان يولد حاملًا فساد الطبيعة (روحيًا أعمى)
• لا يرى مجد الله ولا يدرك الحق
• يعيش في ظلمة الخطية
يقول القديس كيرلس الكبير:
“العمى هنا ليس في العين فقط، بل في طبيعة الإنسان الساقطة التي تحتاج إلى إعادة خلق.”
ثانيًا: الطين — سرّ التجسد وبداية الخلق الجديد
«تَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى» (يو 9: 6)
هذا المشهد يحمل عمقًا لاهوتيًا مذهلًا:
• الطين = اتحاد التراب (الإنسان) بالماء (النعمة)
• وهو إشارة واضحة إلى تجسد الكلمة، حيث أخذ المسيح جسدًا من ترابنا ليعيد خلقتنا
القديس إيرينيؤس يقول:
“كما خُلق الإنسان أولًا من طين، هكذا يُعاد خلقه الآن بيد الخالق نفسه.”
هنا المسيح لا يشفي فقط، بل يخلق من جديد.
ثالثًا: بركة سلوام — رمز المعمودية
«اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ… فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا» (يو 9: 7)
يوضح الإنجيلي: “سلوام تفسيره مُرسَل” — أي المسيح نفسه.
وهنا تتضح العلاقة المباشرة بالمعمودية:
• الماء ليس عاديًا، بل مرتبط بالمسيح “المرسل”
• الغسل = موت مع المسيح وقيامة معه
• النتيجة = استنارة حقيقية
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
“لم تكن البركة هي التي فتحت عينيه، بل الطاعة والإيمان العامل في الماء.”
ويقول القديس غريغوريوس النيسي:
“الماء في ذاته لا ينير، لكن الروح العامل فيه يخلق عينًا جديدة.”
رابعًا: التدرج في الاستنارة — رحلة الإيمان بعد المعمودية
المولود أعمى لم يصل للإيمان الكامل دفعة واحدة، بل عبر مراحل:
1. «إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ» (يو 9: 11)
2. «هُوَ نَبِيٌّ» (يو 9: 17)
3. «لَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ اللهِ…» (يو 9: 33)
4. «أُؤْمِنُ يَا سَيِّدُ» وسجد له (يو 9: 38)
هذا هو طريق المعمودية:
• تبدأ بالاستنارة
• ثم تنمو إلى معرفة
• ثم إلى إيمان حي وسجود
خامسًا: موقف الفريسيين — رفض النور
رغم المعجزة الواضحة، رفض الفريسيون الإيمان:
«لَوْ كُنْتُمْ عُمْيًا لَمَا كَانَ لَكُمْ خَطِيَّةٌ، وَلَكِنْ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ» (يو 9: 41)
هنا المفارقة:
• الأعمى أبصر
• والمبصرون صاروا عميانًا
وهذا تحذير لكل من ينال المعمودية دون توبة حقيقية.
سادسًا: أحد التناصير — الكنيسة كأم تلد أبناء النور
في هذا الأحد، تعلن الكنيسة:
• أن المعمودية ليست طقسًا، بل ولادة جديدة
• أن المسيح هو نور العالم الحقيقي
• أن كل مؤمن مدعو أن يعيش كـ “مستنير”
يقول القديس أثناسيوس الرسولي:
“صار ابن الله إنسانًا لكي يصير الإنسان ابنًا لله.”
خاتمة: هل أبصرنا حقًا؟
المعجزة لا تسأل: هل شُفي الأعمى؟
بل تسألنا:
هل نحن نبصر؟
• هل نعيش نور المعمودية؟
• هل نرى المسيح في حياتنا؟
• أم ما زلنا نعيش بعيون مغلقة رغم النعمة؟
إن المعمودية ليست نهاية الطريق، بل بدايته…
بداية حياة مستنيرة،
حياة ترى الله،
وتسير في نوره.





