القمص يوحنا نصيف
    يَذكُر القدّيس لوقا الإنجيلي (لو22: 14-16) أنّه بعد أن أرسلَ الربّ يسوع المسيح بطرس ويوحنّا إلى أورشليم للإعداد للفصح، أتى مع التلاميذ إلى العُلّيّة، وعندما اتّكأ قال لهم: "شهوةً اشتهيتُ أن آكُلَ هذا الفصحَ معكم قبل أن أتألّم. لأنّي أقول لكم: إنّي لا آكُل منه بعد حتّى يُكمَل في ملكوت الله".

    يُعَلِّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذه الكلمات بشرح وتأملات جميلة، اخترت منها في هذا المقال بعض الفقرات:
    + لمّا أعدّ التلاميذ الفصح، أكل المسيح معهم. ولِكَونِهِ طويل الأناة مع الخائن، فإنّه تفضَّلَ بقبوله على المائدة (معه) بدافِع شفَقَته المملوءة حُبًّا والغير المتناهية؛ لأنّ يهوذا كان قد صار خائنًا، إذ أنّ الشيطان كان ساكِنًا فيه.

    + قال المسيح أيضًا لرسلِهِ القدّيسين: "شهوة اشتهيت أن آكُلَ هذا الفصح معكم". لنفحص المَغزَى العميق لهذا التعبير، ولنفتِّش عن المعنى المُختَفِي فيه، وما الذي كان يقصده المخلِّص.. "ولكنّي لا آكُل منه بعد، حتّى يُكمَل في ملكوت الله".

    + بهذا الكلام أيضًا ينطق المسيح بحقيقة عميقة وسِرِّيّة، لكن هو نفسه يكشف معناها لنا، لأنّ من عادته أن يُطلِق اسم "ملكوت السموات" على "التبرير بالإيمان"، وعلى التطهير الذي يتمّ بالمعموديّة المقدّسة وشركة الروح القدُس، وعلى تقديم العبادة الروحيّة التي صارت الآن مُمكِنة بالدخول إلى وصايا الإنجيل.

    + لكن هذه الأشياء هي الوسائط التي تجعلنا شركاء في المواعيد، وفي المُلك مع المسيح، لذلك يقول: لن أقترب من مثل هذا الفصح بعد ذلك، أي ذلك الفصح الذي يتكوّن من أكل رمزيّ؛ لأنّ حَمَلاً من القطيع ذُبِحَ ليكون مثالاً للحمل الحقيقي. (ويكمِّل) "حتّى يُكمَل في ملكوت الله"، أي إلى حين مجيء الوقت الذي فيه يُكرَز بملكوت السموات.

    + هذا يتحقّق فينا نحن الذين نُكرِم العبادة التي هي أعلى من الناموس، والتي هي الفصح الحقيقي. فالذي يُقَدِّس الذين هم في المسيح ليس خروفًا من القطيع، بل بالحريّ المسيح نفسه، الذي جُعِل ذبيحة مقدّسة لأجلنا، بتقديم قرابين غير دمويّة، وتقديم "الشُّكر" السرِّي [سِر الإفخارستيا]، الذي فيه ننال "البركة" [المقصود هو التناول من جسد المسيح ودمه] ونُعطَى الحياة بالحياة. لأنّه صار لنا الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، والذي يُعطي الحياة للعالم (يو6: 33، 50).

 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 141) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]
القمص يوحنا نصيف