كنائس القدس في رسالة الفصح: لا بديل عن العدالة والسلام لإنهاء مآسي المنطقة.
نادر شكري
أصدر بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس، اليوم، رسالة عيد القيامة لعام 2026، وجهوا من خلالها نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي وأصحاب الإرادة الصالحة للتدخل وإنهاء "حلقة الموت والدمار" التي تعصف بالمنطقة إثر اندلاع حرب إقليمية مدمرة.
تشخيص الواقع: ظلام يلف المنطقة
ووصف البيان الكنسي الأوضاع الراهنة بـ "الأتون المضطرب"، مشيراً إلى أن المواجهات المتصاعدة خلفت معاناة مروعة تجاوزت حدود المنطقة لتلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي عبر أزمات متفاقمة. واستخدم الرؤساء الروحيون استعارة "هواء القبر المختوم" لوصف حالة اليأس والظلام الكثيف الذي خيّم على الأرض المقدسة والشرق الأوسط.
نداء للسلام والعدالة
وفي أقوى فقرات الرسالة، دعا البطاركة إلى العمل والصلاة بلا انقطاع من أجل إغاثة الجموع الغفيرة، وناشدوا برفع الأصوات والمناصرة من أجل وقف فوري لسفك الدماء، والسعي لتحقيق العدالة والسلام في المنطقة الجريحة، بدءاً من القدس وغزة ولبنان، وصولاً إلى دول الخليج وطهران، وإلى أقاصي الأرض.
رسالة صمود ورجاء
وعلى الرغم من قتامة المشهد، شددت الرسالة على البعد الروحي لعيد القيامة، مؤكدة أن "ظلمة القبر ليست نهاية القصة"، وأن الإيمان يمنح "ولادة جديدة لرجاء حي". واستشهد البيان بكلمات الرسول بولس حول الصمود في وجه الشدائد: "مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين.. مطروحين لكن غير هالكين".
واختتم رؤساء الكنائس رسالتهم بالتحية الفصحية التقليدية "المسيح قام.. حقاً قام"، مؤكدين على قوة الإيمان في تحويل الألم إلى رجاء.
وهذا نص البيان:
بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس
رسالة عيد القيامة ٢٠٢٦
"مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح! الذي بحسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات..." (١ بطرس ١: ٣)
في الأسابيع التي سبقت إحياء ذكرى آلام المسيح وقيامته هذا العام، اندلعت حرب إقليمية جديدة مدمرة، أعادت إغراق الأرض المقدسة والشرق الأوسط في أتون الاضطراب. ومع كل يوم يمضي، تتصاعد حدة المواجهات بصورة متزايدة—في حلقة مفرغة من الموت والدمار والمعاناة المروعة، التي أخذت تداعياتها تمتد إلى العالم بأسره عبر أزمات اقتصادية متفاقمة. ومن بين دخان هذا الخراب المتسع وسواده، خيّم على منطقتنا ظلام كثيف، خانق كهواء القبر المختوم الذي وُضع فيه المسيح المصلوب. حتى إن الرجاء نفسه يبدو وكأنه قد غادرنا.
غير أن الكتاب المقدس يعلّمنا، وإيماننا يكشف لنا، أن ظلمة القبر لم تكن نهاية القصة. فالموت لم تكن له الكلمة الأخيرة. بل بقوة الله قام المسيح منتصراً من بين الأموات، محطماً قيود الخطية والموت. وكما كتب الرسول بولس: "ولكن الآن قد قام المسيح من بين الأموات، وصار باكورة الراقدين" (١ كورنثوس ١٥: ٢٠). وبناءً عليه، فإن الله يمنح الذين ينظرون إلى الرب القائم بإيمان "ولادة جديدة لرجاء حي" (١ بطرس ١: ٣).
لذلك، وفي خضم هذه الأزمنة العاصفة، نؤكد نحن بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس هذه الكلمات القوية والمشجعة لجماعاتنا وللمسيحيين في جميع أنحاء العالم، بوصفها قلب رسالة القيامة لهذا العام. إذ "كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة" (رومية ٦: ٤).
وانطلاقاً من هذه الحقيقة العميقة، ندعو المؤمنين وجميع أصحاب الإرادة الصالحة إلى العمل والصلاة بلا انقطاع من أجل إغاثة الجموع الغفيرة في الشرق الأوسط وخارجه، الذين يعانون بشدة من ويلات هذه الحرب. كما نناشدهم أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء والمناصرة من أجل وقف فوري لسفك الدماء، وأن يسعوا إلى تحقيق العدالة والسلام في منطقتنا الجريحة، بدءاً من القدس وامتداداً إلى غزة ولبنان وسائر الأرض المقدسة؛ إلى دول الخليج وطهران؛ وإلى أقاصي الأرض.
وأخيراً، نستحضر مرة أخرى كلمات الرسول القديس بولس الذي، في خضم شدائده الكثيرة، كتب: "مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين، متحيّرين لكن غير يائسين، مضطهدين لكن غير متروكين، مطروحين لكن غير هالكين، حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا" (٢ كورنثوس ٤: ٨-١٠).
وبهذا الإيمان العميق بقوة قيامة المسيح المحوّلة، وفي وسط آلامنا، لنتبادل معاً تلك التحية الفصحية العريقة التي لا تزال تتردد عبر الأجيال:
"المسيح قام!... حقاً قام! هللويا!"
بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس




