.......,ق / اسطفانوس زكى....
طالعتنا وسائل التواصل الاجتماعي بقولٍ صادم منسوب إلى بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل مفاده أن يسوع المسيح ليس أفضل من جنكيزخان.
وقد أثار هذا القول دهشة كل من قرأه… لا لأنه رأيٌ عابر، بل لأنه يكشف خللًا عميقًا في المعيار الذي تُقاس به الأمور.
فكيف يُوضَع يسوع المسيح في مقياس واحد مع قائدٍ عسكري؟
ليست المشكلة في عبارة قيلت، بل في الفكرة التي تقف خلفها: أن “القوة” هي المقياس الوحيد للحكم، وأن التاريخ — للأسف — لا يعترف إلا بالغالب بالسيف.
وهنا تتجلى الدهشة من هذا الخلط العجيب بين عالمين:
عالمٍ يصنع مجده على هدم المدن بالحرب،
وعالمٍ يبني مجده داخل الإنسان بالمحبة والحق.
ومن هنا نستطيع أن نفهم الفارق بين من أخضع العالم… ومن غيّر الإنسان.
أولًا: جنكيزخان…
وُلد جنكيزخان (تيموجين) حوالي عام ١١٦٣م في سهول منغوليا، في بيئة قاسية لا تعرف إلا الصراع. مات والده مبكرًا، فذاق الفقر والتشرد، وتشكّلت شخصيته وسط الألم والقسوة.
لكن هذا الطفل تحوّل إلى قائدٍ عسكري فذ:
وحّد القبائل المغولية عام ١٢٠٦م
قاد فتوحات هائلة من الصين إلى أوروبا الشرقية
أسّس إمبراطورية تُعد الأكبر اتصالًا في التاريخ
غير أن هذا المجد كان له وجهٌ آخر:
أُباد مدنا بالكامل ؛ قتل
ملايين ..خوفٌ ورعبٌ سبق اسمه
نعم، صنع مجدًا سياسيًا وعسكريًا، وفتح طرق التجارة، لكنه فعل ذلك بقوة تُخيف ولا تُغيّر.
قوة تغيّر الخارج… لكنها لا تمسّ أعماق الإنسان.
ثانيًا: يسوع المسيح
وفي المقابل، وُلد يسوع المسيح في بساطةٍ شديدة، في مزودٍ متواضع، لا في قصر.
نشأ في بيت نجار، وعاش بين الناس، لا فوقهم.
لم يؤسس جيوشًا، ولم يُنشئ ملكوتًا أرضيًا، بل أعلن بوضوح:
“مملكتي ليست من هذا العالم” (يوحنا ١٨: ٣٦)
لكن حياته كانت إعلانًا لقوة من نوع آخر:
في تعليمه:
“أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم” (متى ٥: ٤٤)
“طوبى للودعاء… طوبى لصانعي السلام” (متى ٥)
في أعماله:
شفى المرضى (متى ٨)
أقام الموتى (يوحنا ١١)
أشبع الجموع (متى ١٤)
غفر للخطاة (لوقا ٧: ٤٨)
في رحمته:
جلس مع الخطاة والعشارين
لمس المنبوذين
بكى مع المتألمين (يوحنا ١١: ٣٥)
في قوته الحقيقية:
واجه الشر لا بالسيف، بل بالصليب.
وفي الوقت الذي بدا فيه الصليب ضعفًا، أعلن الكتاب:
“لأن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلَّصين فهي قوة الله” (١ كورنثوس ١: ١٨)
وهكذا تحوّل الصليب من رمز هزيمة — في نظر البشر — إلى قمة الانتصار الإلهي:
انتصار لا على أعداء خارجيين، بل على الخطية والموت.
ثالثًا: خطأ المقارنة؟)
١-. خلط بين الزمني والأبدي
جنكيزخان يُقاس بما صنعه في الزمن
يسوع المسيح يتجاوز الزمن فهو قبلىالزمان وبعده هو سرمدى
“يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد” (عبرانيين ١٣: ٨)
٢-. خلط في تعريف القوة
القوة عند جنكيزخان: إخضاع القوة
عند المسيح: تحرير
“تعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا ٨: ٣٢)
القوة التي تحتاج إلى العنف لتثبت ذاتها هي قوة ناقصة،
أما التي تغيّر القلب دون إكراه فهي قوة إلهية كاملة.
٣. خلط في مفهوم الانتصار
عند البشر: الغلبة تعنى السيطرة
بينما في المسيحية: الغلبة تعنى المحبة والفداء
“لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير” (رومية ١٢: ٢١)
رابعًا: زوال الإمبراطوريات… وبقاء الرسالة
مات جنكيزخان عام ١٢٢٧م، وتفككت إمبراطوريته مع الزمن.
وهذا هو مصير كل قوة زمنية مهما عظمت.
أما رسالة يسوع المسيح، فما زالت حيّة، لأنها لا تقوم على السيف… بل على الحق.
قال:
“ثقوا، أنا قد غلبت العالم” (يوحنا ١٦: ٣٣)
غلبة لا بالحرب… بل بالمحبة.
اسفا فمازال العالم يستخدم نفس المعيار الخاطئ كل يوم
حين نُعجب بالقوي، وننحاز للمنتصر، ونقيس النجاح بما يُرى.
لكن يسوع المسيح يدعونا أن نعيد النظر من الداخل.
“من أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا” (متى٢٠: ٢٦)
انها دعوة مقلوبة على منطق العالم!
أن تكون عظيمًا… يعني أن تنحني لتخدم.
أن تكون أولًا… يعني أن تضع نفسك أخيرًا.
العالم يقول:
“كن قويًا لتأخذ”
أما المسيح فيعلم:
“كن محبًا لتُعطي”
العالم يبني مجده على ما يملكه،
أما الملكوت فيُبنى على ما يُقدَّم.
فاسأل نفسك بهدوء:
أيُّ طريقٍ تختار؟
طريق القوة التي تُخضع… أم المحبة التي تُغيّر؟
وبدون شك فان المقياس التى تختاره هو الذى سيحدد لمن انت ولمن تنتمى ؟؟؟.
.......,ق / اسطفانوس زكى....





