أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ
فَفِي أُفُقِ اللَّاهُوتِ الْأَدَبِيِّ، لَا تَبْقَى الْأَخْلَاقُ نَصًّا مُجَرَّدًا يُتْلَى، بَلْ تَصِيرُ مِرْآةً نَنْظُرُ فِيهَا إِلَى وَاقِعِنَا، وَمِيزَانًا نَزِنُ بِهِ أَحْدَاثَ عَالَمِنَا. وَإِذَا كَانَتْ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ «نَصًّا» يُكْتَبُ، فَإِنَّ مَا يَجْرِي فِي عَالَمِنَا الْيَوْمَ—مِنْ حُرُوبٍ، وَدِمَارٍ، وَأَطْمَاعٍ، وَتَشْرِيدٍ، وَقَمْعٍ—يَكْشِفُ أَنَّ هُنَاكَ نُصُوصًا كَثِيرَةً قَدِ انْحَرَفَتْ عَنْ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ.
فَكَمْ مِنْ أُمَّةٍ تَكْتُبُ تَارِيخَهَا بِالدِّمَاءِ، وَكَمْ مِنْ شُعُوبٍ تَصِيرُ سُطُورًا مُتَأَلِّمَةً فِي رِوَايَةِ الْقَهْرِ وَالِاغْتِصَابِ! وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يُسْلَبُ حَقُّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْكَرَامَةِ، لِيُصْبِحَ كَأَنَّهُ «كَلِمَةٌ مَمْحُوَّةٌ» مِنْ نَصِّ الْإِنْسَانِيَّةِ!
إِنَّ هَذَا الْوَاقِعَ الْمُؤْلِمَ يَجِدُ صَدَاهُ فِي تَعَالِيمِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، حَيْثُ يُعْلِنُ أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ «عَلَى صُورَةِ اللهِ وَمِثَالِهِ» (تَكْوِين ١: ٢٧)، أَيْ أَنَّهُ مَدْعُوٌّ لِحَمْلِ مَلَامِحِ الْمَحَبَّةِ وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ. وَعِنْدَمَا تُنْتَهَكُ كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلَلٍ اجْتِمَاعِيٍّ، بَلْ جُرْحٌ لِلصُّورَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْإِنْسَانِ.
وَمِنْ هُنَا، تَتَعَمَّقُ رُؤْيَةُ التَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ الْكَاثُولِيكِيِّ، الَّذِي أَكَّدَ—خَاصَّةً فِي وَثَائِقِ المجمع الفاتيكاني الثاني—عَلَى كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ الَّتِي لَا تُنْتَهَكُ، وَعَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ «مَحْوَرُ وَغَايَةُ كُلِّ نِظَامٍ اجْتِمَاعِيٍّ». فَفِي الدُّسْتُورِ الرَّعَوِيِّ «فَرَحٌ وَرَجَاءٌ» (Gaudium et Spes)، تُعْلِنُ الْكَنِيسَةُ أَنَّ أَفْرَاحَ النَّاسِ وَآلَامَهُمْ—خَاصَّةَ الْفُقَرَاءِ وَالْمُتَأَلِّمِينَ—هِيَ أَيْضًا أَفْرَاحُ وَآلَامُ تَلَامِيذِ الْمَسِيحِ.
إِنَّ مَا نَرَاهُ مِنْ جَشَعٍ، وَسَعْيٍ لِلسَّيْطَرَةِ، وَاسْتِخْدَامٍ لِلْقُوَّةِ لِإِخْضَاعِ الشُّعُوبِ، يُعَدُّ—فِي ضَوْءِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ—خَطِيئَةً لَيْسَتْ فَرْدِيَّةً فَقَطْ، بَلْ «بُنْيَوِيَّةً»، أَيْ أَنَّهَا تَتَجَذَّرُ فِي أَنْظِمَةٍ وَهَيَاكِلَ تُنْتِجُ الظُّلْمَ وَتُكَرِّسُهُ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ اللَّاهُوتُ الْأَدَبِيُّ إِلَى أَدَاةِ كَشْفٍ، يَقْرَأُ التَّارِيخَ كَنَصٍّ مُشَوَّهٍ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ كِتَابَةٍ.
وَهُنَا يَأْتِي صَوْتُ يسوع المسيح كَصَوْتٍ نُبُوِيٍّ، لَا يُجَامِلُ الظُّلْمَ، وَلَا يُبَرِّرُ الْعُنْفَ، بَلْ يَدْعُو إِلَى تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ: «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْنَ» (مَتَّى ٥: ٩). وَالسَّلَامُ هُنَا—كَمَا تُؤَكِّدُ التَّعَالِيمُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ—هُوَ «ثَمَرَةُ الْعَدْلِ» وَلَيْسَ مُجَرَّدَ تَوَازُنِ قُوًى.
وَقَدْ شَدَّدَتِ الْكَنِيسَةُ فِي تَعْلِيمِهَا الِاجْتِمَاعِيِّ عَلَى أَنَّ السُّلْطَةَ هِيَ خِدْمَةٌ وَلَيْسَتْ تَسَلُّطًا، وَأَنَّ الْحُكَّامَ مَدْعُوُّونَ لِيَكُونُوا حُرَّاسًا لِلْخَيْرِ الْعَامِّ، لَا مُسْتَغِلِّينَ لَهُ. فَكُلُّ سُلْطَةٍ تَنْفَصِلُ عَنِ الْأَخْلَاقِ، تَفْقِدُ شَرْعِيَّتَهَا الْإِنْسَانِيَّةَ، حَتَّى وَإِنِ احْتَفَظَتْ بِقُوَّتِهَا الظَّاهِرِيَّةِ.
إِنَّ أَزْمَةَ الْعَالَمِ الْيَوْمَ—كَمَا يَتَّضِحُ فِي ضَوْءِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَتَعَالِيمِ الْكَنِيسَةِ—هِيَ أَزْمَةُ قَلْبٍ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أَزْمَةَ أَنْظِمَةٍ. فَكَمَا يَقُولُ الْكِتَابُ: «مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الْأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ» (مَرْقُس ٧: ٢١). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ إِصْلَاحَ الْعَالَمِ يَبْدَأُ بِتَجْدِيدِ الْإِنْسَانِ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَلَكِنَّ هَذَا التَّجْدِيدَ لَا يَبْقَى فَرْدِيًّا، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَسْؤُولِيَّةٍ جَمَاعِيَّةٍ. فَالْمَسِيحِيَّةُ لَا تَدْعُو إِلَى الِانْعِزَالِ، بَلْ إِلَى الِانْخِرَاطِ فِي الْعَالَمِ كَخَمِيرٍ يُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ (مَتَّى ١٣: ٣٣). وَهُنَا تَظْهَرُ دَعْوَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِلْحَقِّ، وَمُدَافِعًا عَنِ الْمَظْلُومِ، وَصَانِعًا لِلسَّلَامِ فِي وَاقِعٍ يَمُوجُ بِالِاضْطِرَابِ.
إِنَّ اللَّاهُوتَ الْأَدَبِيَّ، فِي أَسْمَى تَجَلِّيَاتِهِ، يَدْعُونَا أَلَّا نَكْتَفِي بِقِرَاءَةِ «نَصِّ الْخَلَاصِ»، بَلْ أَنْ نُسَاهِمَ فِي كِتَابَتِهِ. أَنْ نُحَوِّلَ الْإِنْجِيلَ مِنْ كِتَابٍ عَلَى الرُّفُوفِ إِلَى حَيَاةٍ تَسِيرُ عَلَى الْأَرْضِ.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ الْكَبِيرُ:
أَيُّ نَصٍّ نُرِيدُ أَنْ نَكْتُبَهُ فِي زَمَنٍ مُمْتَلِئٍ بِالصِّرَاعِ؟
هَلْ نَكُونُ سُطُورًا فِي رِوَايَةِ الظُّلْمِ، أَمْ نُصْبِحُ شُهُودًا لِرِوَايَةِ الْمَحَبَّةِ؟
إِنَّ الدَّعْوَةَ الْمَسِيحِيَّةَ—فِي ضَوْءِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَتَعْلِيمِ الْكَنِيسَةِ، وَرُوحِ المجمع الفاتيكاني الثاني—هِيَ أَنْ يَصِيرَ الْإِنْسَانُ «كَلِمَةً حَيَّةً»، تَكْتُبُ بِالْمَحَبَّةِ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ السِّيَاسَةُ، وَتُحَقِّقُ بِالرَّحْمَةِ مَا فَشِلَتْ فِيهِ الْقُوَّةُ.
✍️
أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ





