د. سامح فوزى
قدمت خلال شهر رمضان – هذا العام- ثلاثين «بودكاست»، حلقة كل يوم على السوشيال ميديا التابعة لمؤسسة دار الهلال حول أقوال المتصوفين والرهبان فى شئون الحياة. أدركت من خلال قراءاتى السابقة أن هناك تقاربًا فى زوايا النظر إلى النفس الإنسانية بين المتصوفين والرهبان، نتيجة حياة العزلة الإيجابية، والابتعاد عن هموم ورغبات الذات، ولكن عندما تدخل هذا العالم الثرى، إنسانيًا وروحيًا، تكتشف أبعادًا أخرى متجددة. وفى ذلك يقول إبراهيم بن أدهم معبرا عن حياة المتصوف «لو علم الملوك، وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة والسرور لجادلونا عليها بالسيوف»، فهم يدركون أن السعادة تقبع داخلهم وليست نتيجة مؤثرات خارجية، وهو ما يؤكده جلال الدين الرومى: «لا تبحث عن السعادة خارج نفسك، فالسعادة تنبع من الداخل»، ويكمن سر السعادة فى التوقف عن الانشغال بالناس، والتصرف بنزاهة متحررًا من الرغبات الذاتية كما يقول الشيخ عبدالقادر الجيلانى إن السعادة الحقيقية هى «خروج الخلق من قلبك، وخروج النفس من فعلك». وتتلاقى تلك الأقوال مع قول القديس أنطونيوس الكبير، مؤسس الرهبنة إن «السعادة الأرضية خادعة، لأنها تنتهى بالموت، أما السعادة الحقيقية فهى بصيرة الروح التى ترى الجمال الإلهى فى كل شيء».
هناك على الأقل خمس قضايا أساسية فى مسيرة المرء لبلوغ السعادة القلبية، التى يحدثنا عنها المتصوفون والرهبان.
أولا: السعى، والابتعاد عن اليأس فى رحلة المرء مع تغيير ذاته. وفى ذلك يقول جلال الدين الرومى «انت لا تبعد عن الله بذنبك، بل باليأس الذى يسكن قلبك»، وهو نفس المنهج الذى سار عليه الرهبان، حيث يقول القديس مار إسحق «من يئس من توبته، فقد جحد سعة رحمة الله».
ثانيا: الخوف من الله، مما يمنع المرء من التجرؤ على غيره، والإساءة لنفسه فى الحياة. يقول جلال الدين الرومى «الخوف من الله هو بداية الأمان، فمن خاف الله أخاف الله منه كل شىء، ومن خاف غير الله أخافه الله من كل شىء»، والخوف يعنى محبة الله لذاته، والابتعاد عن اغضابه، فإذا فعلها الإنسان لن يخاف من أى شىء آخر، حسبما يقول القديس باسيليوس الكبير «هناك ثلاث طرق للخلاص: إما خوف العقاب (كالعبيد)، أو طمع المكافأة (كالأجير)، أو محبة الله لذاته (كالأبناء)». ويؤكد ذلك القديس يوحنا ذهبى الفم بقوله «لا تخف من جهنم، بل خف من إغضاب الله، فالحرمان من رضاه أشد إيلاما من نار جهنم».
ثالثا: عدم الانشغال بالناس، والسعى المستمر لستر عيوبهم. يقول الإمام الغزالى «من كشف ستر أخيه، كشف الله ستره»، ويوضح الفضيل بن عياض أن «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويٌعير»، ولا يختلف ذلك مع نهج الرهبان فى اقوالهم، حيث يؤكد القديس موسى القوى «من يستر على أخيه فى زلته، يستر الله عليه فى زلاته»، ويعتبر القديس يوحنا ذهبى الفم «ستر خطايا القريب هو أعظم ذبيحة تقدمها لله»، ويعنى بالقريب هنا كل الناس.
رابعا: عدم القلق من تحولات الحياة، فكما يقول شمس الدين التبريزى «لا تقلق من التغيرات التى تمر بها، فكيف تعرف أن الجانب الذى اعتدت عليه، أفضل من الجانب الذى سيأتى»، ويوضح ابن عطاء السكندرى أن المنح والمنع كلاهما من عطايا الله بقوله «ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم فى المنع، صار المنع عين العطاء». ويعتبر القديس البابا كيرلس أن عدم القلق يقترن بالتسليم للمشيئة الإلهية، بقوله المأثور «كن مطمئنا جدا جدا، ولا تفكر فى الأمر كثيرًا، بل دع الأمر لمن بيده الأمر»، وينبه القديس مار إسحق إلى عناية الله الدائمة بقوله «إن كنت تؤمن أن الله يعتنى بك، فلا تشغل نفسك بأمور زمنية».
خامسا: فى متاعب الحياة واضطرابها، ينصحنا المتصوفون والرهبان بالقلب المطمئن، يقول جلال الدين الرومى «لا تحزن، فكل ما تفقده يعود إليك فى هيئة أخرى»، ويلفت إلى عدم الرهان على الآخرين «كل خذلان من الناس هو رسالة أن لا أحد يستحق التعلق سوى الله»، وحسب قول القديس مار إسحق «إذا خذلنا الجميع، فاعلم أن الله يريد أن ينفرد بك، ليعلمك أن ذراعه هو السند الوحيد الذى لا ينكسر».
هذه الجولة البستانية فى أقوال المتصوفين والرهبان قليل من كثير، تراث ثرى يرتقى بالروح، ويُهذب الاخلاق، ويضبط النظرة إلى الحياة، وكلما توغلت فيه استغرب كثيرًا، أن يكون لدينا ذلك الرصيد الروحى والإنسانى العميق، بينما هناك فريق فى مجتمعنا غارق حتى أذنيه فى السجال الدينى، والتنابذ فى العقائد، وترويج الكراهية، والتشدد، والتطرف فى النظرة، هؤلاء يدعون التدين، بينما يبتعدون عنه بأميال كثيرة. وأتساءل فى النهاية: من أى مورد يتشكل وعى هؤلاء؟ ولماذا لا تظهر تلك الثقافة الإنسانية والروحية البديعة فى برامجنا التعليمية والتربوية والإعلامية؟
نقلا عن الأهرام





