أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ...
أَتَعَافَى بِكِ، لَا لِأَنَّ ٱلْوَجَعَ يَخْتَفِي، بَلْ لِأَنَّ ٱقْتِرَابَكِ يَجْعَلُ ٱلْوَجَعَ جَمِيلًا. كُلَّمَا ٱلْتَقَيْنَا فِي رَوْضَةِ ٱلذِّكْرَى، أَشْعُرُ أَنَّ ٱلزَّمَانَ يَتَوَقَّفُ أَدَبًا أَمَامَ عَيْنَيْكِ. يَدُكِ إِذَا مَسَّتْ يَدِي، تَسْكُنُ فِيَّ ٱلْحَيَاةُ بِلُطْفٍ، وَيَنْتَشِرُ عِطْرُكِ بَيْنَ أَكَفِّي، كَأَنَّهُ صَلَاةٌ صَامِتَةٌ تَصْعَدُ إِلَى ٱلسَّمَاءِ. أَقْتَرِبُ مِنْكِ وَقَلْبِي مُلِحٌّ بِٱلشَّوْقِ، فَأَصِيرُ غَيْمَةً هَادِئَةً، تَمْضِي مَعَ كُلِّ نَسَمَةٍ مِنْ نَفَسِكِ، وَيَصِيرُ قَلْبِي سَمَاءً لَا تَعْرِفُ ٱلْحُدُودَ، إِلَّا حُدُودَ ٱلْحُبِّ. مَعَكِ أَسْتَعِيدُ نَفْسِي بِلُطْفٍ، كَأَنَّنِي كُنْتُ ضَائِعًا فِي زِحَامِ ٱلْحَيَاةِ، فَأَتَيْتِ أَنْتِ فَصِرْتُ أَهْدَأَ، أَصْدَقَ، وَأَقْرَبَ إِلَى قَلْبِي. أَشْعُرُ أَنَّنِي أَتَطَهَّرُ بِقُرْبِكِ، لَا بِمَاءِ، بَلْ بِرِقَّةِ نَظْرَتِكِ، وَبِصَمْتِكِ ٱلَّذِي يَحْمِلُ ٱلدِّفْءَ. وَعِنْدَمَا أُغَادِرُكِ، أُغَادِرُ وَقَلْبِي يَتَمَسَّكُ بِأَثَرِكِ، كَأَنَّنِي أَتْرُكُ جُزْءًا مِنْ رُوحِي عِنْدَ بَابِكِ، وَأَمْضِي بَعْدَهَا أَبْحَثُ عَنِّي بَيْنَ مَلَامِحِكِ، وَفِي نَسَمَاتِ عِطْرِكِ ٱلَّذِي لَا يَزَالُ يُرَافِقُنِي. يَا جَمِيلَتِي، حُبِّي لَكِ لَيْسَ صَوْتًا عَالِيًا، بَلْ هَمْسًا دَافِئًا، وَلَيْسَ نَارًا تُحْرِقُ، بَلْ ضَوْءًا نَاعِمًا يُضِيءُ طَرِيقِي. مَعَكِ أَشْعُرُ أَنَّ ٱلْحُبَّ أَمَانٌ، وَأَنَّ ٱلْقُرْبَ سَكِينَةٌ، وَأَنَّ ٱلْقَلْبَ إِذَا ٱطْمَأَنَّ إِلَى قَلْبٍ آخَرَ، يُصْبِحُ أَجْمَلَ مِمَّا كَانَ.

وَفِي عُمْقِ هٰذِهِ ٱلْمَشَاعِرِ، نُدْرِكُ أَنَّ ٱلْحُبَّ ٱلْحَقِيقِيَّ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا فِي ٱللَّهِ، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا فِي حِضْنِ ٱلْكَنِيسَةِ، حَيْثُ ٱلنُّورُ وَٱلْحَقُّ وَٱلسَّلَامُ.

ٱلْكَنِيسَةُ… بَيْتُ ٱلْخَلَاصِ وَمَرْكَزُ ٱلْأَمَانِ.

ٱلْكَنِيسَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ مِنْ حِجَارَةٍ، بَلْ هِيَ جَسَدُ ٱلْمَسِيحِ ٱلْحَيِّ، وَهِيَ أُمٌّ رُوحِيَّةٌ تَحْمِلُ أَبْنَاءَهَا إِلَى ٱلْحَقِّ وَٱلنُّورِ. يَقُولُ ٱلرَّبُّ: «أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ» (يُوحَنَّا ١٤: ٦). وَفِي ٱلْكَنِيسَةِ نَجِدُ هٰذَا ٱلطَّرِيقَ حَيًّا، حَيْثُ نَسْمَعُ صَوْتَ ٱلرَّبِّ، وَنَتَغَذَّى بِكَلِمَتِهِ، وَنَعِيشُ سِرَّ ٱلْخَلَاصِ.

وَيُعَلِّمُنَا ٱلْكِتَابُ: «مَنْ يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ، هٰذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» (يُوحَنَّا ١٥: ٥). فَٱلثَّبَاتُ فِي ٱلْمَسِيحِ يَكُونُ بِٱلِٱنْتِمَاءِ إِلَى جَمَاعَتِهِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، إِلَى ٱلْكَنِيسَةِ ٱلَّتِي تَجْمَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ فِي ٱلْمَحَبَّةِ وَٱلْوَحْدَةِ.

ٱلْكَنِيسَةُ هِيَ بُوصَلَةُ ٱلْحَيَاةِ، فِيهَا نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نَعِيشُ ٱلْإِنْجِيلَ، وَكَيْفَ نُصَلِّي، وَكَيْفَ نَغْفِرُ، وَكَيْفَ نَسِيرُ فِي ٱلنُّورِ. وَإِنَّ ٱلرَّبَّ يُحَذِّرُ مِنَ ٱلِٱنْفِصَالِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ قَالَ: «بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا» (يُوحَنَّا ١٥: ٥). فَٱلْبُعْدُ عَنِ ٱلْمَسِيحِ هُوَ بُعْدٌ عَنِ ٱلْحَيَاةِ، وَٱلْبُعْدُ عَنِ ٱلْكَنِيسَةِ هُوَ ٱضْطِرَابُ ٱلْقَلْبِ وَفَقْدَانُ ٱلِٱتِّجَاهِ ٱلرُّوحِيِّ، بَلْ ضَيَاعٌ وَهَلَاكٌ لِأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ يَفْقِدُ بُوصَلَتَهُ ٱلَّتِي تَقُودُهُ إِلَى ٱللَّهِ.

أَمَّا مَنْ يَثْبُتُ فِي ٱلْكَنِيسَةِ، فَهُوَ يَثْبُتُ فِي ٱلْمَحَبَّةِ، لِأَنَّ ٱلرَّسُولَ يَقُولُ: «ٱلْمَحَبَّةُ لَا تَسْقُطُ أَبَدًا» (١ كُورِنْثُوسَ ١٣: ٨). وَفِي ٱلْكَنِيسَةِ نَتَعَلَّمُ هٰذِهِ ٱلْمَحَبَّةَ، مَحَبَّةَ ٱللَّهِ وَٱلْقَرِيبِ، وَنَنْضَمُّ إِلَى عَائِلَةِ ٱلْإِيمَانِ ٱلَّتِي تَسِيرُ مَعًا نَحْوَ ٱلْخَلَاصِ.

فَٱلْكَنِيسَةُ لَيْسَتْ حِصَارًا، بَلْ حُضْنٌ؛ وَلَيْسَتْ قَيْدًا، بَلْ حُرِّيَّةٌ فِي ٱلْمَسِيحِ؛ وَلَيْسَتْ ضِيقًا، بَلْ فَضَاءٌ رُوحِيٌّ نَجِدُ فِيهِ نُورَ ٱلطَّرِيقِ.

فَلْنَثْبُتْ فِيهَا بِإِيمَانٍ وَوَثُوقٍ، وَلْنَجْعَلْهَا بَيْتَنَا ٱلرُّوحِيَّ، حَيْثُ نَسْمَعُ صَوْتَ ٱلرَّبِّ، وَنَسِيرُ فِي ٱلنُّورِ، وَنَحْيَا فِي ٱلسَّلَامِ، «مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ» (تِيطُسُ ٣: ١).

أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ...