المرحلةُ التاسعة: يسوعُ يقع تحت الصليب للمرّة الثالثة

(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
«فقالَ لي: "حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف". فإِنِّي بِالأَحرى أَفتَخِرُ راضِيًا بِحالاتِ ضُعْفي لِتَحِلَّ بي قُدرَةُ المَسيح. ولِذٰلِك فإِنِّي راضٍ بِحالاتِ الضُّعفِ والإِهاناتِ والشَّدائِدِ والاضطِهاداتِ والمَضايِقِ في سَبيلِ المسيح، لِأَنِّي عِندَما أَكونُ ضَعيفًا أَكونُ قَوِيًّا» (2 قورنتِس 12: 9-10).

لقد وَقَعَ يسوعُ الناصريّ تحت صليبه للمرّة الثالثة! لا شكّ أنّ دَرْب صليب يسوع يجعلنا نراجع دَرْبنا ودروب الآخرين؛ فما هو المَغْزى، يا ترى، من مرحلةِ أو محطة دَرْب الصليب هذه؟ بدايةً، علينا ملاحظة أنّ هذه هي السقطة "الثالثة" للناصريّ؛ أعني أنّه علينا التركيز على الرقم "ثلاثة"، فيبدو أنّه مهمٌّ للغاية. فمن خلال تكرار هذا الرقم في عدّة مواضع ونصوص من العهد الجديد، نستشفّ أنّه قد يعنى بدوره "التشديد" و"التأكيد" و"التغليظ" و"الإلحاح"، ومن ثمَّ، "الخطورة" و"الجسامة". فيمكننا أن نتذكّر –على سبيل المثال لا الحصر– تجارب يسوع الثلاث في البرّيّة (متّى 4: 1-11؛ لوقا 4: 1-13)، وإعلاناته المسبقة الثلاثة عن آلامه وموته وقيامته (مرقس 8: 31-33؛ 9: 30-32؛ 10: 32-34)، وإنكار بطرس له مرّات ثلاث (مرقس 14: 30؛ 14: 66-71؛ متّى 26: 34؛ 26: 69-75؛ لوقا 22: 34؛ 22: 55-62)، وسؤال يسوع الثلاثيّ لبطرس عن محبّته له (يوحنّا 21: 15-19)؛ فهذا كلّه يعني بدوره التشديد والتغليظ وخطورة الموقف وجسامته.

مع هذه السقطة الثالثة، لم تَعُد تكفي قوّة الإرادة (كما في السقطة الأُولى)، ولا قوّة الأمانة والمثابرة (كما في السقطة الثانية)، وإنّما ثمَّة حاجةٌ ملحّة إلى المعونة والنعمة الإلهيّتَيْن، وإلى الرجاء بالله أبيه وحده، الذي «يُسانِدُ جَميعَ السَّاقِطين، ويُنهِضُ كُلَّ الرَّازِحين» (مزمور 145: 14)؛ و«يُؤْتي التَّعِبَ قُوَّةً، ولِفاقِدِ القُدرَةِ يُكثِرُ الحَول. الفِتْيانُ يَتعَبونَ ويُعيَون. والشُّبَّانُ يَعثُرونَ عِثارًا. أَمَّا الرَّاجونَ لِلرَّبّ فيَتَجَدَّدونَ قُوَّةً، يَرتَفِعونَ بِأَجنِحَةٍ كالعِقْبان، يَعْدونَ ولا يُعْيَون، يَسيرونَ ولا يَتعَبون» (أَشَعْيا 40: 29-31). أجل، لقد احتاجت بشريّةُ (ناسوت أو إنسانيّة) يسوع الناصريّ التامّة، إلى المعونة والنعمة الإلهيّتَيْن، وكذلك "للتألُّه" أيضًا؛ حتّى يمكن للإنسان أن يتألّه –بنعمة الله– بواستطها وعلى مثالها. 

كَمْ من مرّةٍ في جهادنا الروحيّ اليوميّ لا تكفنا قوّة الإرادة، ولا قوّة الأمانة والمثابرة، ونضحى في أمسّ الحاجة إلى المعونة والنعمة الإلهيّتَيْن؛ ونحتاج بشدّةٍ إلى هذه الكلمات الخلّابة: «حَسبُكَ نِعمَتي، فإِنَّ القُدرَةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعف» (2 قورنتِس 12: 9)؟ وفي هذه الحالة عَيْنها، لا نختبر مدى هشاشة إنسانيّتنا وإنساننا الداخليّ وجهادنا الروحيّ فحسب، بل نختبر –بألمٍ وفرحٍ في آنٍ واحدٍ– أُبُوّة الله لنا، ونعمته تجاهنا.

من جهةٍ أُخرى، إنّ سقطات يسوع الناصريّ الثلاث فوق الأرض وهو حيٌّ، من جرّاء ثِقَل الصليب، هي تمهيدٌ لوقوعه تحت الأرض مائتًا بعد إنزاله من على خشبة الصليب؛ وكذلك نهوضه من سقطاته الثلاث، هو تمهيدٌ لنهوضه العظيم والمنتصر على السقطات كلّها، وعلى الهوان والموت والشرّ أيضًا. إنّه، على غرار "حَبَّةِ خَردَل" (مرقس 4: 31-32)، عليه أن يقع ليقوم، ويسقط لينهض، ويموت ليحيا؛ «ولٰكِنَّنا في ذٰلِكَ كُلِّه فُزْنا فَوزًا مُبينًا، بِالَّذي أَحَبَّنا» (رُومة 8: 37).

(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)