(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

المرحلةُ السادسة: فيرونيكا تمسح وجهَ يسوعَ بمنديل
«إِستَمِعْ يا رَبِّ، إِنِّي أَصْرُخُ صُراخًا، فٱرحَمْني وٱستَجِبْ لي. فيكَ قالَ قلبي: "إِلتَمِسْ وَجهَه"، وَجهَكَ يا رَبِّ أَلتَمِس.
 
لا تَحجُبْ وَجهَكَ عنِّي، ولا تَنبِذْ بِغَضَبٍ عَبدَكَ. ناصِرًا كُنتَ لي فلا تَخْذُلْني، ولا تَترُكْني يا إِلٰهَ خَلاصي» (مزمور 27: 7-9).
 
وفقًا لتقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب، قد اقتربت امرأةٌ قدّيسة، واسمها "فيرونيكا"، لكي تمسح وجهَ يسوع الناصريّ بمنديل. وإن لم تكن "فيرونيكا" إشارةً إلى اسم عَلَمٍ وشخصٍ تاريخيّ، أي اسم امرأةٍ ما قد سعت لمقابلة يسوع في دَرْب صليبه، فعلى الأرجح أنّ الأمر المهمّ هنا هو معنى اسمها. فلفظة "فيرونيكا" مكوّنة من مقطعَيْن، بمعنى: الإيقونة-الصورة الحقيقيّة. لذا، فثمَّة إشارةٌ واضحةٌ، لا لمجرّد فِعْلها (مسحها لوجه يسوع)، وإنّما للإيقونة الحقيقيّة، أي وجه الربّ يسوع. وبكلماتٍ أُخرى، وجهُ يسوع الناصريّ، اللوغُس المتجسّد، هو الإيقونة الحقيقيّة لإله البشريّة الحيّ.
 
وعلى هذا النحو، ربَّما تشير شخصيّةُ "فيرونيكا" واسمها إلى البشريّة جمعاء في بحثها عن وجه الربّ، الإله الحقيقيّ والحيّ؛ ولكنّ هذا الإله الذي بحثت عنه البشريّة برمّتها، منذ الأزمنة الغابرة، وعبر أنماطٍ وأشكال وصور ملتبسة، وبطرقٍ مباشرة وغير مباشرة، قد ترك لنا وجه الكريم مطبوعًا في وجه ابنه يسوع المسيح. وقد أكَّد العهدُ الجديد على أنّ وجه الربّ الإله غير المرئيّ قد تجسّد في وجه يسوع الناصريّ المرئي؛ إذ «إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ، الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه» (يوحنّا 1: 18). فمَن يرى وجهَ يسوع المسيح، يرى وجهَ الله الحقيقيّ والحيّ. 
 
إن كان هذا الإعلان الإلهيّ ينطبق على حياة يسوع بأسرها، فكم بالحريّ وجه الربّ الخاصّ بمراحل أو محطات دَرْب الصليب؟! أجل، إنّ وجهَ المصلوب المتألّم هو الوجه الحقيقيّ للإله تعالى: «لا صورَةَ لَه ولا بَهاءَ فنَنظُرَ إِلَيه، ولا مَنظَرَ فنَشتَهِيَه.
 
مُزدَرًى ومَتْروكٌ مِنَ النَّاس، رَجُلُ أَوجاعٍ وعارِفٌ بِالأَلم، ومِثلُ مَن يُستَرُ الوَجهُ عنه، مُزدَرًى فلَم نَعبَأْ بِه» (أَشَعْيا 53: 2-3).
 
فجمالُ محبّة الله تعالى قد سَطَعَ في وجه المصلوب المتألّم! أجل، إنّه جمالٌ إلهيٌّ فريدٌ من نوعه، فليس هو مجرّد جمال الله في الخليقة والمعابد والبشر فحسب، وإنّما في وجه المصلوب المتألمّ! ولكنّ وجهَ المسيح ليس وجه الإله الحقيقيّ فحسب، وإنّما وجه الإنسان الحقيقيّ أيضًا، إذ إنّه هو "آدم الجديد"، أي البشريّة الجديدة. 
 
وانطلاقًا من هذا كلّه، هل تلامسنا مع وجه الربّ، الإله الحقيقيّ والحيّ؟ وهل أنا وأنت وأنتِ "إيقونةٌ حقيقيّة" ليسوع الناصريّ؟ وأين نجد وجهه اليوم؟ وهل ندرك أنّ وجهه هذا منعكسٌ –بشكلٍ واقعيّ– اليوم، في وجه الآخرين جميعًا، ولا سيّما في وجه أخوته الصغار، خاصّة المتألّمين والفقراء والجَوْعى والعِطاش والغرباء والعُريانين والمرضى والسجناء (متّى 25: 31-46)؟