بقلم الأب يسطس الأورشليمى
بالصليب أمات الرب الموت وفتح لنا الفردوس، وأعطانا جسده ودمه المبذولين عنا، وجعلنا أبناء بركة ووارثين للحياة الأبدية. بالصليب يتمم الروح القدس الأسرار المقدسة على يدي الكهنة في الكنيسة، هذه الأسرار التي هي غذاء الكنيسة. والصليب كما نعلم امتد عمله ليقتطف رجال العهد الجديد منه كل يوم ثمارًا. ونبقى في الأبدية نتأمل جراحات الحمل القائم كأنه مذبوح لنجد فيها شبعًا.
الصليب من الخارج دخل بنا إلى الأعماق لنكتشف سره وقوته كذبيحة أثم وكفارة عن خطايانا، إذ يقول: "لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصابًا مضروبًا من الله ومذلولاً". ما حمله ليس أحزانه ولا أوجاعه إنما هي أحزاننا وهمومنا وجراحاتنا... ما يحمله إنما هو ثقل خطايانا التي انحنى بإرادته ليحملها بحبه في جسده عنا.
لقد حمل خطايانا واحتمل أمراضنا ومع هذا لم يُعانِ من شيء يحتاج إلى علاج، فقد جُرب في كل شيء مثلنا ولم يكن فيه خطية. من يضطهد النور الذي يضيء في الظلمة لا يقدر أن يغلبه. لقد سُحق وجُرح لكنه شَفى كل مرض وكل ضعف.
عندما نتكلم عن الصليب طبعا لا نعنى قطعتى الخشب المتعامدتين لكننا نقصد إلى من صلب على الصليب ـ ولماذا صلب ـ غفران الخطية ـ الكفارة ـ الفداء ـ إرضاء العدل الإلهى ـ قداسة الله المطلقة وبره الكامل وغضبه على الخطية ـ وإلغاء حكم الموت على الإنسان "يوم تأكل منها موتا تموت" تك 17:2،وقد قال بولس الرسول بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت.
ألا يمكن لله أن ينقذنا من الخطية بطريقة أخرى غير الصليب والموت ألا يستطيع الله أن يغير طبيعة الإنسان التى أفسدتها الخطية وهو القادر على كل شئ فكما خلق الدنيا بكلمة... فيخلص البشر بكلمة؟؟؟
الله كل القداسة الغير محدود والإساءة إليه تستوجب عقوبة غير محدودة ـ وسكوته على الخطية هى إهانة لله نفسه. الخطية هى تعدى على الله وهى جرح شديد فى قلب الله المحب. عدل الله ورحمته وجهين لشئ واحد هو كمال الله.
لهذا كان أمام الله أحد أمرين: إما أن يتنازل عن كلمته التى نطق بها وهى حكم الموت بسبب الخطية التى بها جلب الإنسان على نفسه الخراب أو أن يهلك الإنسان الذى شارك الكلمة والذى خلق على صورة الله وشبهه.
كان مستحيلا أن ينقض الناموس لأن الله هو الذى وضعه بسبب التعدى. وكان أيضا غير لائق أن الخليقة التى خلقت عاقلة والتى شاركت الكلمة يصبح مصيرها الهلاك وترجع إلى عدم الوجود بالفساد ـ لأنه لا يتفق على صلاح الله أن تفنى خليقته لهذا كان أمام كلمة الله أن يغير الفساد الذى وجد فى الانسان بسبب الخطية إلى عدم فساد.
وفى نفس الوقت أن يوفى مطلب الأب العادل ـ المطالب به الجميع وحيث أنه هو كلمة الأب ويفوق الكل فكان هو وحده الذى يليق بطبيعته أن يجدد خلقه كل شئ وأن يتحمل الالام عوضا عن الجميع وأن يكون نائبا عن الجميع أمام الأب لهذا كانت قضية الخلاص والفداء والموت النيابى وطريقة الموت هى الصلب.
كان الصليب مكروها قبل المسيحية لأنه كان أداه تعذيب وإعدام للمجرمين والأشرار. وكان من يعلق على الخشبة ويصلب يكون ملعونا من الله حسب الناموس. "إذا كان على إنسان خطية حقها الموت وقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة بل تدفنه فى ذلك اليوم لأن المعلق ملعون من الله فلا تنجس أرضك ـ
تثنية" (22:21). لذلك طلب اليهود من بيلاطس أن يحكم على المسيح بالصلب ليجلبوا عليه لعنه الناموس ـ جاهلين إنها إرادة الله وهنا نذكر قول بولس الرسول
الحكمة المكتوبة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا التى لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد 1كو 2: 7 ، 8. ولكن المسيحيون منذ فجر المسيحية كرموا الصليب وقدسوه لأن السيد المسيح قبل الالام والموت على خشبة الصليب لأن الصليب صار رمزا للفداء والنصرة والحب المبذول وعلى الصليب دكت مملكة إبليس وانهزم جنود الشر وسحق الموت. أين شوكتك يا موت واين غلبتك يا هاوية ونقول فى القداس الالهى نزل إلى الجحيم من قبل الصليب. فعتق المسبين وحرر من كانوا فى قبضة إبليس من المؤمنين منذ ادم الأول حتى موت ادم الثانى.
"ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديًا" (عب 9: 12؛ راجع عب 9: 10)
يقول القديس غريغوريوس النزنيزي: لا تخجل من المصلوب بل بالحرى تفتخر به قائلاً: خطايانا حملها، أحزاننا تحملها وبجراحاته شُفينا.
يقول القديس كيرلس الأورشليمي: حمل السيد المسيح أحزاننا كما شاهدناه في بستان جثسيماني وهو يشرب كأسنا حتى النهاية، في كل مرارتها، إذ صلى لأبيه قائلاً: "يا أبتاه إن لم يكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك" (مت 26: 42). لقد أخذ بطرس وابني زبدي ليروه قد أبتدأ يحزن ويكتئب، قائلاً لهم: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" (مت 26: 38). "الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21)، إذ قدم نفسه ذبيحة إثم يحمل خطايانا وآثامنا ويكفر عنها. "وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه [لولا احتماله التأديب عنا لما تمتعنا بالسلام ] وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا"
سلم الرب جسده للموت لكي نتقدس خلال مغفرة الخطايا التي تتحقق برش دمه... يلزمنا أن نشكر الرب من الأعماق لأنه أخبرنا عن الأمور الماضية، وأعطانا حكمة بخصوص الأمور الحاضرة، ولم يتركنا بغير فهم بخصوص الأمور المستقبلة.
الرسالة إلى برناباس: إننا نتنقى بدمه الثمين الذي يُطهرنا من كل خطية، دمه الذي لا يصرخ للنقمة مثل دم هابيل (عب 12: 24).
البابا أثناسيوس الرسولي: ليتنا نُذكّرِ أنفسنا نفع الإيمان الحقيقي. فإنه من المفيد ليّ أن أعرف أن المسيح حمل ضعفاتي لأجلي، وخضع لآلام جسدي؛ حتى انه من أجلي- أي لأجل كل واحد - صار خطية ولعنة (2 كو 5: 21؛ غل 3: 13).
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: بموت البار الذي تم بمحض اختياره، نزع موت الخطاة الذي حدث بالضرورة كحكم نستحقه.
القديس أغسطينوس: بالتأكيد تتحدث النبوة بأكثر وضوح عن الرب يسوع عندما قيل "مثل حمل سيق إلى الذبح" (بكونه فصحنا). لقد مُسحت جبهتك بعلامة (دمه) وأيضًا القائمتان، إذ حمل كل المسيحيين ذات العلامة.
القديس أيرونيموس: ما جُلد صمت! ولما صُلب صلى لأجل صالبيه! بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطانيه؟! كأس الخلاص آخذ وادعو اسم الرب.
القديس هيلاري أسقف بوايتيه: الآن خلال الفداء الذي تم بواسطة "شجرة الحياة"، أي خلال آلام الرب، نصير نحن أنفسنا مثل شجرة الحياة، كل ما فينا يكون أبديًا، وننعم بإحساس التطويب أبديًا. كل ما يصنعه (الأتقياء) ينجحون فيه، إذ لا يخضعون بعد للتغير ولا للطبيعة الضعيفة، حين يبتلع غير الفاسد الفاسد، ويبتلع الأبدي الضعيف، وما هو على شكل الله يبتلع ما هو على شكل الجسد الأرضي.





