الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ...
 
نَحْوَ ثَوْرَةِ الكَرَامَةِ وَالحَيَاةِ
 
  فِي عَصْرِنَا الحَالِيِّ، تَتَسَابَقُ الشُّعُوبُ القَوِيَّةُ فِي التَّسَلُّحِ، وَيَتَنَافَسُ القُوَاةُ عَلَى السُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ، وَكُلُّ طَرَفٍ يُرِيدُ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى العَالَمِ، وَأَنْ يُحَوِّلَهُ وَفْقَ مَنْهَجِهِ وَتَفْكِيرِهِ وَثَقَافَتِهِ وَتَفْسِيرِهِ لِلْحَيَاةِ.
 
  سِبَاقٌ مُحْمُومٌ نَحْوَ السِّلَاحِ، وَسِبَاقٌ نَحْوَ السَّيْطَرَةِ وَالسَّلْبِ وَالنَّهْبِ، وَتَحْوِيلِ الإِنْسَانِ إِلَى أَدَاةٍ فِي مَشْرُوعِ قُوَّةٍ لَا يَعْرِفُ رَحْمَةً وَلَا يَعْتَرِفُ بِضَعْفٍ.
  وَيَتِمُّ اسْتِغْلَالُ الدِّينِ وَالمَفَاهِيمِ،
 
وَتُرْفَعُ الشِّعَارَاتُ، وَتُخَاطَبُ العَوَاطِفُ،
 
لِكَيْ يُسْتَمَالَ النَّاسُ وَتُغْسَلَ عُقُولُهُمْ بِأَوْهَامٍ مُزَيَّنَةٍ.
 
  وَفِي هٰذَا الضَّجِيجِ العَالَمِيِّ،
 
يَبْقَى الإِنْسَانُ الضَّعِيفُ هُوَ الضَّحِيَّةَ الأُولَى: الإِنْسَانُ الَّذِي لَا يَسْعَى إِلَى سُلْطَةٍ، وَلَا يَحْلُمُ بِسَيْطَرَةٍ، بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَعِيشَ بِكَرَامَةٍ، وَأَنْ يَجِدَ لُقْمَةَ عَيْشٍ حَلَالًا، وَأَنْ يَأْمَنَ فِي بَيْتِهِ مَعَ أُسْرَتِهِ.
 
  هٰذَا الإِنْسَانُ الَّذِي يَكْدَحُ بِصَمْتٍ،
 
وَيَبْنِي بِجُهْدِهِ، وَيُرَبِّي أَبْنَاءَهُ عَلَى القِيمِ، هُوَ القَلْبُ الحَقِيقِيُّ لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ.
 
  لٰكِنَّ الحُرُوبَ إِذَا اشْتَعَلَتْ، لَا تَتْرُكُ خَلْفَهَا إِلَّا دُمُوعًا، وَأَطْلَالًا، وَأُسَرًا مُشَرَّدَةً، وَأَطْفَالًا فِي المَلَاجِئِ يَنْتَظِرُونَ صَوْتَ السَّلَامِ.
 
  فَوْقَ الأَرْضِ خَوْفٌ وَرُعْبٌ،
 
وَتَحْتَ الأَرْضِ مَلَاجِئُ تَضُمُّ النَّاسَ،
 
حَيْثُ يَخْتَبِئُونَ مِنْ وَجْهِ المَوْتِ، وَيُصَلُّونَ فِي العَتَمَةِ، وَيَنْتَظِرُونَ فَجْرًا جَدِيدًا.
 
  الأُمُّ تَضُمُّ طِفْلَهَا، وَالأَبُ يُخْفِي خَوْفَهُ، وَالأَطْفَالُ يَنْظُرُونَ إِلَى العَالَمِ بِعُيُونٍ تَسْأَلُ:
لِمَاذَا نُعَاقَبُ بِمَا لَا ذَنْبَ لَنَا فِيهِ؟
 
إِنَّ مَا يَحْدُثُ لَيْسَ قَدَرًا لَا يُرَدُّ،
 
بَلْ نَتِيجَةُ خِيَارَاتٍ بَشَرِيَّةٍ.
 
وَكُلُّ خِيَارٍ يَسْلُبُ حَقَّ الإِنْسَانِ فِي الحَيَاةِ وَالكَرَامَةِ
 
هُوَ خِيَارٌ يُنَاقِضُ المَسْؤُولِيَّةَ الأَخْلَاقِيَّةَ.
 
لِذٰلِكَ، فَإِنَّ الثَّوْرَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ ثَوْرَةَ عُنْفٍ،
 
بَلْ ثَوْرَةَ وُعِيٍ،
 
وَثَوْرَةَ قِيَمٍ،
 
وَثَوْرَةَ احْتِرَامٍ لِحَيَاةِ الإِنْسَانِ الضَّعِيفِ.
 
ثَوْرَةٌ تُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى مَكَانِهِ الطَّبِيعِيِّ:
 
غَايَةً لَا وَسِيلَةً،
 
كِرَامَةً لَا أَدَاةً،
 
وَجَوْهَرًا لِلْحَيَاةِ لَا حَطَبًا لِلنِّزَاعِ.
 
يَجِبُ أَنْ يَنْتَصِرَ حَقُّ الإِنْسَانِ فِي لُقْمَةِ العَيْشِ بِكَرَامَةٍ،
 
وَفِي الأَمْنِ
 
وَفِي سَلَامِ البَيْتِ،
 
وَفِي مُسْتَقْبَلِ أَبْنَائِهِ.
 
وَإِذَا كَانَ لِلسِّيَاسَةِ مَكَانٌ،
 
فَلْيَكُنْ مَكَانُهَا خِدْمَةَ الإِنْسَانِ،
 
لَا تَسْخِيرَهُ،
 
وَلَا اسْتِغْلَالَهُ،
 
وَلَا تَحْوِيلَهُ إِلَى وَقُودٍ لِصِرَاعَاتٍ لَا تُمَثِّلُهُ.
 
  إِنَّ الإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ عَلَى صُورَةِ اللهِ،
 
وَكُلُّ امْتِهَانٍ لِكَرَامَتِهِ هُوَ طَعْنٌ فِي هٰذِهِ الصُّورَةِ الإِلٰهِيَّةِ.
 
  اللهُ لَيْسَ إِلٰهَ الحُرُوبِ، بَلْ إِلٰهَ السَّلَامِ.
 
وَالرَّبُّ دَعَا إِلَى المَحَبَّةِ لَا إِلَى الكُرَاهِيَةِ، وَإِلَى الرَّحْمَةِ لَا إِلَى القَمْعِ.
 
وَمَهْمَا تَعَاظَمَ سِبَاقُ التَّسَلُّحِ، فَإِنَّ النُّورَ أَقْوَى مِنَ الظَّلَامِ، وَالحَقَّ أَبْقَى مِنَ الظُّلْمِ، وَالرَّجَاءَ لَا يَمُوتُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.
سَيَأْتِي يَوْمٌ — بِإِذْنِ اللهِ —
 
تُصْمِتُ فِيهِ المَدَافِعُ،
 
وَتُفْتَحُ الأَبْوَابُ لِلسَّلَامِ،
 
وَيَعُودُ العَالَمُ إِلَى قِيمِهِ الأُولَى:
 
الحَيَاةِ، وَالكَرَامَةِ، وَالعَدْلِ، وَالرَّحْمَةِ.
 
وَنَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ لَا يَتْرُكُ التَّارِيخَ لِلْفَوْضَى،
 
وَلَا يَتْرُكُ الإِنْسَانَ لِلْيَأْسِ،
 
بَلْ يَزْرَعُ فِي القُلُوبِ بُذُورَ الرَّجَاءِ،
 
لِكَيْ يَنْهَضَ العَالَمُ مِنْ جَدِيدٍ.
 
آمِينَ