حنان فكري
صوت أجراس الكنيسة يتردد في قرية “ألما الشعب” رنين أقرب إلى صرخة وجود، في الساحة الصغيرة أمام كنيسة السيدة العذراء، وقف رجال ونساء وشيوخ يقرعون الأجراس بعناد. ايذانًا بالحرب، فأوامر الإخلاء تنتشر في الجنوب اللبناني، والسماء الثقيلة بطائرات الاستطلاع تبلغهم أن يرحلوا، لكنهم لم يرحلوا. اختاروا شكلًا مختلفًا من المقاومة: إنه البقاء رغم خطورته.
فالجنوب، الذي عاش سنوات طويلة تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 2000، ثم شهد دمارًا واسعًا في حرب 2006، يجد نفسه اليوم مرة أخرى في قلب صراع إقليمي، ومنذ عقود يعيش مسيحيو جنوب لبنان في معادلة قاسية.الجغرافيا وضعت قراهم على خط النار بين إسرائيل شمالًا، وبين نفوذ حزب الله جنوبًا وعمقا. من جهة، حزب الله الذي يعتبر الجنوب جزءًا من جبهته مع إسرائيل. ويُقاتل اسرائيل بالوكالة عن ايران على أرض لبنان، اذ تعتبره ايران ورقة استراتيجية إقليمية في يدها. ومن الجهة الأخرى، تطل إسرائيل التي ترى كل الجنوب منصة محتملة للصواريخ. كعادتها لا تتخلى عن وحشيتها في اقتلاع المدنيين من قراهم موتى كانوا أو أحياء. في هذه المعادلة، تصبح القرى الصغيرة مجرد تفاصيل جغرافية على الهامش.
اولئك الذين بين سندان حزب الله ومطرقة اسرائيل يدفعون ثمن حرب لم يختاروها، فلم يكن المسيحيون يومًا في صف واحد مع اسرائيل، ولم يكن المسيحيون يومًا جزءًا من مشروع “محور المقاومة” الذي تقوده إيران لتكون لها أذرع تحميها إقليميا وشرق أوسطيًا من أية اعتداءات، وتكون قريبة من اسرائيل وتطوقها، وكثير من مسيحيي الجنوب عارضوا حزب الله سياسيًا، ورفضوا أن تتحول قراهم إلى منصات صواريخ أو ساحات حرب بالوكالة. لكن السلاح دائمًا أقوى من المبادىء.
وحساسية قرية “ألما الشعب” و غيرها من القرى المسيحية مثل”عين إبل” تأتي من كونها نقطة حدودية حساسة، يراقبها الجميع. أما سكانها فيرونها بيتهم فقط، ذلك البيت الذي جرت محاولات عديدة عبر جمعيات مرتبطة بحزب الله لشراء أراضيهم في البلدة. لكن السكان رفضوا.فالأرض ليست مجرد عقار بل هوية.
و في قرية”رميش” الملاصقة للحدود، وقف.الرجال عند مداخل البلدة. يتناوبون الحراسة ليلاً.الكنيسة تحولت الى برج يراقب الحاضر ويحرس الذكريات. فرميش تعرف جيدًا أن الحرب تعني توغل إسرائيلي من جهة، أو تسلل مسلحين من جهة أخرى. ولذلك اتخذ أهل القرية قرارًا واضحًا: “حزب الله خارج القرية.” لم يسمحوا للحزب بالتمركز في البلدة، انهم لا يريدون تحول قريتهم إلى منصة صواريخ أو ذريعة لغارة.
توجه وفد من هذه القرى المنكوبة ” رميش، عين إبل، وألما الشعب” حاملا رسالته إلى الفاتيكان. قالوا ببساطة “لن نرحل.، طلبوا من الدبلوماسية الفاتيكانية أن تنقل قضيتهم إلى واشنطن وأوروبا. ليفهم العالم أن هذه القرى ليست جزءًا من الحرب.ولا يوجد فيها قواعد لحزب الله.ولا ميليشيات.فقط سكان يريدون أن يبقوا في بيوتهم،.
لكن هل من حدوى؟ ومن يوجهون الرساله له طرفا اصيلا في إشعال الحروب، فواشنطن لم تكن بريئة يوما من دعم اسرائيل وتسديد العقوبات الاستفزازية على طهران، وشحن الاجواء للدفع نحو حرب غير محسوبة من المعلوم ان اول ضحاياها سبكون الجنوب اللبناني، ما دام حزب الله قابعا فيه
انهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالحقيقة المطلقة ان أهل الجنوب، يعيشون بين قوتين لا ترحمان. واحدة باسم المقاومة.والاخرى باسم الردع، والنتيجة واحدة: في هذه الحرب، لا أحد بريء من الدم.
مسيحيو الجنوب لم يدخلوا في مواجهة مع حزب الله. بل في أحيان كثيرة حاولوا التعايش مع الواقع، وتجنب الصدام. لكن الشراهة التي تحرك تًغول اسرائيل، تكافئها شراهة الهيمنة لدى حزب الله، والمأساة لا تخص المسيحيين وحدهم. فالمسلمين أيضًا ضحايا لا جنود، ففي قرى الجنوب الشيعية والسنية أيضًا، هُجرت عائلات كاملة.مسلمون لا علاقة لهم بحزب الله، ولا يريدون أن يكونوا جزءًا من هذه الحرب.
لكن التاريخ يخبرنا انهم عاشوا عقودا طويلة في حروب مفروضة عليهم
فالقرى المسيحية في الجنوب. رميش، عين إبل، دبل، القليعة، وألما الشعب قرى ضاربة الجذور في التاريخ، سكنها الموارنة منذ قرون طويلة كانت القرى متجاورة مع بلدات شيعية وسنية في نسيج اجتماعي واحد؛ لكن منذ اجتياح إسرائيل للجنوب في أواخر السبعينيات، ثم احتلاله الذي استمر حتى عام 2000، مرورًا بحرب يوليو 2006 وما تلاها من جولات نار متقطعة، تحولت هذه القرى الصغيرة إلى حافة دائمة للحرب. عالقة بين مشروعين أكبر منها: مشروع المقاومة المسلحة الذي يراه حزب الله قدرًا للجنوب، ومشروع الردع الإسرائيلي الذي لا يرى في هذه الأرض سوى خريطة أهداف.
وبين المشروعين، تحاول القرى أن تفعل الشيء الوحيد الذي تعرفه: أن تبقى صامدة وحين يهبط الليل على الحدود،وتحوم الطائرات فوق التلال،وتبقى القرى الصغيرة صامتة…يمكن أن تسمع رسالتهم إلى العالم: “باقون ولن نغادر ولا نريد حربا على أرضنا”.
نقلا عن وطني





