بقلم الأب يسطس الأورشليمى
نجد في القراءات يتكلّم عن ثلاثة أشياء وهي: الإيمان والرجاء والمحّبة فيقول: أنا أؤمن أني أعاين خيرات الرّب في أرض الأحياء (مز26)، فهُو يتكلم عن الإيمان، وفي مزمُور باكر يقُول: أحبوا الرّب يا جميع قديسيه، أي يتكلم عن المحبة، وفي مزمُور إنجيل القُداس يقُول: ابتغُوا الرّب واعتزُوا واطلبُوا، واذكرُوا عجائبه في كُل حين (مز104،35)..

وبالثلاثة فضائل: الإيمان والرجاء والمحّبة، تقوم الحياة المسيحية، فهُو يبدأ بالإيمان والثقة في شخص الرّب يسُوع، والتأكد والإيقان بكُل كلامه وفي عشية يقُول: لا تهتمّوا لحياتكُم بما تأكلُون، ولا للجسد بما تلبسُون، الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللّباس (لو12؛ عب11)..

وفي البُولس يقُول: تقوّوا في الرّب وفي شدّة قُوته، البسُوا سلاح الله الكامل لكي تقدرُوا أن تثبتُوا ضدّ مكايد إبليس، ويأتي الاستخدام بالتدريب والتدرج، فدرب نفسك على الثقة، والتمسك بُوعُود الله ناظرين إلى الأمُور التي لا تُرى، لأن الأمُور التي تُرى وقتية، أما التي لا تُرى فأبدية.. 

راجع الكتاب المُقدس (2كو18:4؛ أف10:6-20).. 

وفي إنجيل باكر(مت1:22-14)، الدعُوة مُوجهة إلى الجميع، وقد أعطانا الرّب يسُوع لباس العُرس، وذلك في سرّ المعمُودية والميرُون، والخلاص الذي يقُوم على الفداء بعد أن دفع الثمن.. 

والسجُود قائم على الذبيحة، والفداء ليس هُو الهدف لكنه يصل إلى الهدف، تقبل الله فيأتي الرُوح القُدس ويسكن فيك، والساجدُون لله بالرُوح والحقّ ينبغي أن يسجدُوا، راجع (يو24:4؛ 3:14؛ رو14:13؛ 1كو16:3)، فالبسُوا الرّب يسُوع، ولا تصنعُوا تدبيراً للجسد لأجل الشهُوات، لأنه حيثُ يكُون الرّب يسُوع نكُون نحنُ أيضاً معه في المجد..

ويظهر هُنا في الكاثُوليكُون أن الله يُريد رحمة لا ذبيحة فيقُول: يُقاوم الله المستكبرين، وأما المُتواضعُون فيعطيهُم نعمة، اخضعُوا لله، قاومُوا إبليس فيهرب منكُم، اقتربُوا إلى الله فيقترب إليكُم، نقُوا أيديكُم وطهرُوا قُلوبكُم، راجع (يع6:4-17)، فالرب يُعطي نعمة أعظم..

ثم يأتي إنجيل القُداس (يو4)، قالت المرأة: من أين لك الماء الحيّ؟ أجاب الرّب يسُوع وقال لها: كُل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبُوع ماء ينبع إلى حياة أبدية..

فالمياه التي من فُوق تأتي بالرجاء، كحزانى ونحنُ دائماً فرحُون، كفقراء ونحنُ نُغني كثيرين، كأن لا شيء لنا، ونحنُ نملك كُل شيءٍ (2كو10:6) فالاعتزاز والترجي يكُون بالرّب وليس بالذات وألاَ أصبح كبرياءً..  
 
تحدث التجارب بحسد من الشياطين، وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الرُوحية لأن الإنسان في الصوم يحاول أن يسلك سلوكاً رُوحياً، والشيطان أيضاً يستعد لمقاتلته، أي الاستعداد متبادل من جانب الإنسان للنمو ومن جانب الشيطان لإسقاطه، لذلك إن حلت بك التجارب لا تحزن فهذا دليل على أن صومك مقبول وقد أزعج الشيطان..

التوبة هُنا بمعنى مراجعة النفس، وتصحيح الخطأ بعد أن يتحقق الإنسان منها بمراجعة نفسه، والتعرف على مدى تقصيره في طاعة الله، وطاعة الشريعة، يحاكم نفسه ويلومها ويدينها، ويقول: 

لماذا أخطأت وفيما أخطأت، وما موقفي الآن؟ هل أسير في طريقي، طريق الخطأ أم أقف أحاكم نفسي وألومها، ولا أتملقها ولا أنتحل لها العذر، حتى أتقدم إلى الأمام وألا أسقط في خطأ تبرير نفسي..

حياة التوبة هي: تغيير في العقل، تفرغ الإناء القديم وتملأ الإناء الجديد، توبوا وآمنوا، لأنه قد أقترب ملكوت السماوات، والبسُوا الرّب يسُوع، بينما الإصلاح هُو: تغيير في أسلوب الحياة والسلوك في الطريق، أقوم وأذهب إلى أبي، والرّب هُو الطريق والحقّ والحياة..  

إن فرصة الصوم فيها يحاكم ويُدين الإنسان نفسه ويلومها، يندم على ما فاته، ويحزم أمره ويعقد قراره أنه يبدأ صفحة من جديد، يُجدّد عهوده مع الله، ليسير طريق السائرين في طريق السماء..

أنها صورة أخرى من صور التوبة ممثلة في المرأة السامرية، وغريب أن يذهب المسيح خصيصاً إلى السامرة ليلتقي بهذه المرأة، حتى تلاميذه عندما رجعُوا من السوق وابتاعوا له طعاماً، رجعُوا فوجدُوه يتكلّم مع امرأة فتعجبُوا واندهشُوا، لماذا هذا التعجب والاندهاش؟!!

أخيراً نرى في توبة السامرية:
اللقاء والتدبير، لقاءه معها لم يكن صدفة، بل لابد أن يجتاز السامرة، أن المسيح مُدبر لكُل منا فرصة للتوبة فلا تُهملها..
الحوار والتغيير، أظهر الرّب يسُوع أنه مُحتاج للماء، ولكنه أعلن العطاء والشبع، ومن الحوار تغيرت وكشفت نفسها..

توبة وتبشير، تحولت المرأة السامرية إلى كارزة ومُبشرة، مقدمة لهُم الرّب يسُوع المسيح الذي يغير ويتوب..

تحدث التجارب بحسد من الشياطين، وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الرُوحية لأن الإنسان في الصوم يحاول أن يسلك سلوكاً رُوحياً، والشيطان أيضاً يستعد لمقاتلته، أي الاستعداد متبادل من جانب الإنسان للنمو ومن جانب الشيطان لإسقاطه، لذلك إن حلت بك التجارب لا تحزن فهذا دليل على أن صومك مقبول وقد أزعج الشيطان..

في الاعتراف نأخذ حِلاً، وحَلاً للمشاكل..
التغيير وصية كتابية، وله ركائزه مثل: تجديد الذهن بالتوبة، والعضوية في جسد المسيح الكنيسة، والخدمة داخلها والشهادة للمسيح في المجتمع، لكن السؤال هُو: كيف أستطيع أن أتغيير؟!

لقد رسم لنا الكتاب والكنيسة خارطة الطريق وهي: أن التغيير في الإنسان يتم من خلال: الجهاد الأمين، والنعمة الإلهية..

لا خلاص للإنسان بغير هذين العاملين: جهادي الشخصي ونعمة الله، والجهاد بمفرده لا قيمة له، بأعمالي ليس لي خلاص، ونعمة الله بدُون تجاوبي معها لا تعمل فيّ، هذا العمل المُشترك هُو طريق الخلاص، والرّب قال: بدُوني لا تقدرُون أن تفعلوا شيئاً (يو5:15)..

يجب أن يُجاهد الإنسان من أجل خلاص نفسه، لأن الله الذي خلقك بدونك لا يُخلصك بدونك، ويتضح هذا في:
صدق النية: هل أنا أريد أن أتخلّص من خطاياي؟ والرّب سأل المفلوج: أتريد أن تبرأ؟ (يو6:5)، إن رُوح الله يبكتني كُلما أخطيء، لكن هل أنا أريد أن أتخلّص من خطاياي، وأحيا للرّب؟!

بذل الجهد: لأنه من غير المعقول أن أستسلم لعدم الخير ونوازع الخطية ولا أبذل أي مجهُود ومقاومة وأتوقع الانتصار، فالمطلوب مني حفظ الحواس: ماذا أسمع؟ وماذا أقول؟ وماذا أشاهد؟!

يستحيل الخلاص وأنا وسط أصدقاء مُنحرفين، والمقاومة ضد الخطية، ومحاولة عدم السقوط بقدر الإمكان، والابتعاد عن مواطن الإثارة، وإذا سقطت أقوم ولا أترك نفسي في حمأة الخطية، بل أقدم توبة للرّب واعترف بخطاياي، لأنال الحل والإرشاد من الأب الكاهن..

الشبع الرُوحي: لأن النفس الشبعانة تدُوس عسل الخطية، فالشبع بوسائط النعمة مثل: الصلوات، والتسابيح، والأصوام، والكتاب المُقدس، والتناول، والصداقات، والقراءات والاجتماعات الرُوحية..

السهر الرُوحي: أي أن أسهر على نفسي، مراقباً حواسي، وسلوكياتي، متوقعاً الحرُوب الرُوحية، ومُستيقظاً على الدوام، مُسلحاً بأسلحة الرُوح الكاملة، لكي تكُون النُصرة كاملة (أف10:6-18).. 

وحينما نشبع بوسائط النعمة تحل علينا نعمة الله، ونهتف قائلين: أستطيع كُل شيءٍ في المسيح الذي يقويني، ونعمة الله تقوم على:

التبرير: إذ أتبرر بدم المسيح الفادي، الذي حمل خطايانا في جسده على خشبة، ودفع عقوبة الخطية بدلاً مني..

الخلاص: إذ يُخلصني الرّب من الخطية الجدية بالمعمُودية، ومن الخطايا الفعلية بالجهاد الرُوحي والتوبة والشبع به..

التقديس: إذ يسكن فيّ رُوح الله، فأصير هيكلاً مُقدساً له، كما حدث ورشمت 36 رشماً بالميرُون المُقدس..

التمجيد: إذ نشعر أننا أولاد الله، ونحنُ بعد في هذا العالم، وفي النهاية عند القيامة نلبس أجساد نورانية، ونصعد إليه في السماوات، ونحيا معه إلى الأبد كوارثين في ملكوته المجيد، وهكذا بالجهاد الإنساني، والنعمة الإلهية يمكن أن نتغير إلى الأفضل في المسيح..