الأب أغسطينوس بِالْمِيلَادِ: مِيلَاد سَامِي مِيخَائِيل بُطْرُس...
يُعَدُّ الزَّوَاجُ الْمُقَدَّسُ، فِي تَعْلِيمِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، وَاحِدًا مِنَ الأَسْرَارِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي أَقَامَهَا الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ لِتَكُونَ قَنَاةً لِلنِّعْمَةِ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَيْسَ الزَّوَاجُ مُجَرَّدَ عَقْدٍ ٱجْتِمَاعِيٍّ أَوْ ٱتِّفَاقٍ بَشَرِيٍّ بَيْنَ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ، بَلْ هُوَ سِرٌّ كَنَسِيٌّ يَتَجَلَّى فِيهِ عَمَلُ ٱللَّهِ وَنِعْمَتُهُ.
وَفِي هٰذَا السِّرِّ لَا يَلْتَقِي شَخْصَانِ فَقَطْ، بَلْ تَدْخُلُ نِعْمَةُ ٱللَّهِ فِي عَهْدِهِمَا لِتُقَوِّي حُبَّهُمَا وَتُقَدِّسَ حَيَاتَهُمَا.
وَفِي فَهْمِ الْكَنِيسَةِ، الزَّوَاجُ هُوَ مِيثَاقُ مَحَبَّةٍ وَحَيَاةٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَٱمْرَأَةٍ، أُقِيمَ لِخَيْرِ الزَّوْجَيْنِ وَلِقَبُولِ الْحَيَاةِ وَتَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ.
وَفِي هٰذَا الْعَهْدِ يَدْعُو ٱللَّهُ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَعِيشَا مَحَبَّةً أَمِينَةً وَدَائِمَةً تَعْكِسُ أَمَانَتَهُ هُوَ لِشَعْبِهِ.
ومِنَ الْمَنْظُورِ الْكِتَابِيِّ، يَعُودُ أَصْلُ الزَّوَاجِ إِلَى بَدَايَةِ الْخَلِيقَةِ نَفْسِهَا، حِينَ خَلَقَ ٱللَّهُ الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ وَمِثَالِهِ، وَجَعَلَهُ رَجُلًا وَٱمْرَأَةً لِيَكُونَا وَاحِدًا فِي الْمَحَبَّةِ وَالْوَحْدَةِ. فَيَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ:
«لِذٰلِكَ يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ، وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا» (تكوين ٢: ٢٤).
وَهٰذِهِ الْوَحْدَةُ، فِي رُؤْيَةِ الْكَنِيسَةِ، لَيْسَتْ وَحْدَةً جَسَدِيَّةً فَقَطْ، بَلْ شَرَاكَةُ حَيَاةٍ كَامِلَةٍ تَجْمَعُ الْجَسَدَ وَالنَّفْسَ وَالرُّوحَ. فَالزَّوْجَانِ يَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ فِي مَسِيرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَتَحَوَّلُ بَيْتُهُمَا إِلَى كَنِيسَةٍ بَيْتِيَّةٍ، حَيْثُ تُعَاشُ الْإِيمَانُ وَالصَّلَاةُ وَالْمَحَبَّةُ.
وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ، يُؤَكِّدُ عِلْمُ النَّفْسِ الْحَدِيثُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ السَّلِيمَةَ تُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ مَصَادِرِ الِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ وَالتَّوَازُنِ الْعَاطِفِيِّ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ. فَالْإِنْسَانُ خُلِقَ لِلْعَلَاقَةِ وَلِلْمَحَبَّةِ، وَحِينَ يَجِدُ الْقَبُولَ وَالثِّقَةَ فِي الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، يَخْتَبِرُ نَوْعًا عَمِيقًا مِنَ السَّلَامِ الدَّاخِلِيِّ.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَقُومُ عَلَى الْكَلِمَاتِ فَقَطْ، وَلَا عَلَى الْمَظَاهِرِ الْعَابِرَةِ، بَلْ عَلَى شُعُورٍ عَمِيقٍ بِالْفَهْمِ وَالْقَبُولِ وَالِاحْتِرَامِ. فَالْحُبُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، وَلَا رَسَائِلَ عَابِرَةً، بَلْ هُوَ ذٰلِكَ الْإِحْسَاسُ الْهَادِئُ الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَشْعُرُ أَنَّهُ مَرْئِيٌّ وَمَفْهُومٌ وَمَقْبُولٌ كَمَا هُوَ.
أَوَّلًا: الشُّعُورُ بِالْأَمَانِ الْعَاطِفِيِّ
يُعَدُّ الْأَمَانُ الْعَاطِفِيُّ أَحَدَ أَجْمَلِ الثِّمَارِ الَّتِي تَنْبُتُ فِي الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحَةِ. فَحِينَ يَشْعُرُ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنَّ قَلْبَهُ فِي مَكَانٍ آمِنٍ، يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى الْكَشْفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ دُونَ خَوْفٍ. وَهٰذَا الْأَمَانُ يُعَدُّ أَرْضًا خِصْبَةً تَنْمُو فِيهَا الثِّقَةُ وَالْمَحَبَّةُ.
ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَى طَبِيعَتِهِ
الْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ لَا يُجْبِرُ الْإِنْسَانَ عَلَى أَنْ يَتَغَيَّرَ لِيَكُونَ مَقْبُولًا، بَلْ يُعِيدُهُ إِلَى بَسَاطَتِهِ وَحَقِيقَتِهِ. فِي الزَّوَاجِ الْمُقَدَّسِ يَتَعَلَّمُ الزَّوْجَانِ قَبُولَ بَعْضِهِمَا بَعْضًا كَمَا هُمَا، كَمَا يَقْبَلُ ٱللَّهُ الْإِنْسَانَ بِمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ.
ثَالِثًا: الِاهْتِمَامُ بِالتَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ
كَثِيرًا مَا تُبْنَى الْمَحَبَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ عَلَى لَفَتَاتٍ بَسِيطَةٍ وَتَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ. كَلِمَةُ طُمَأْنِينَةٍ، أَوْ نَظْرَةُ تَقْدِيرٍ، أَوْ تَذَكُّرُ لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ. وَيُشِيرُ عِلْمُ النَّفْسِ إِلَى أَنَّ هٰذِهِ التَّفَاصِيلَ تُسَاهِمُ فِي إِفْرَازِ هُرْمُونِ الْأُوكْسِيتُوسِينِ، وَهُوَ الْهُرْمُونُ الَّذِي يُعَزِّزُ الِارْتِبَاطَ الْعَاطِفِيَّ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ.
رَابِعًا: الشُّعُورُ بِأَنَّكَ أَوْلَوِيَّةٌ
فَالْمَحَبَّةُ لَا تُقَاسُ بِالْأَقْوَالِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَكَانِ الَّذِي يَحْتَلُّهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِ الطَّرَفِ الْآخَرِ. وَحِينَ يَشْعُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ أَوْلَوِيَّةٌ فِي حَيَاةِ شَرِيكِهِ، يَنْبُتُ فِي قَلْبِهِ شُعُورٌ عَمِيقٌ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالِانْتِمَاءِ.
خَامِسًا: الْفَهْمُ الْعَمِيقُ
الْفَهْمُ الْعَمِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ هُوَ ثَمَرَةُ الْإِصْغَاءِ وَالِاحْتِرَامِ وَالصَّبْرِ. وَحِينَ يَنْضُجُ هٰذَا الْفَهْمُ، يَصِيرُ الصَّمْتُ أَحْيَانًا أَبْلَغَ مِنَ الْكَلَامِ، وَتُصْبِحُ الْقُلُوبُ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَفْهَمَ مَا لَا تُعَبِّرُ عَنْهُ الْكَلِمَاتُ.
سَادِسًا: أَنْ يُلْهِمَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ
الْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ الصَّحِيحَةُ لَا تُحَطِّمُ الْإِنْسَانَ بَلْ تَرْفَعُهُ. فَالْحُبُّ الْحَقِيقِيُّ يُحَوِّلُ الزَّوْجَيْنِ إِلَى مَصْدَرِ إِلْهَامٍ لِبَعْضِهِمَا بَعْضًا، وَيَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُسْخَةً أَفْضَلَ مِنْ نَفْسِهِ.
وَفِي بُعْدِهِ اللَّاهُوتِيِّ يَبْلُغُ الزَّوَاجُ قِمَّتَهُ فِي سِرِّهِ الْعَمِيقِ، إِذْ يُشَبِّهُ الرَّسُولُ بُولُسُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ بِالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ، فَيَقُولُ:
«أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِهَا» (أفسس ٥: ٢٥).
فَالزَّوَاجُ، فِي تَعْلِيمِ الْكَنِيسَةِ، هُوَ أَيْقُونَةٌ حَيَّةٌ لِمَحَبَّةِ الْمَسِيحِ لِكَنِيسَتِهِ. وَكَمَا بَذَلَ الْمَسِيحُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِ كَنِيسَتِهِ، هٰكَذَا يُدْعَى الزَّوْجَانِ أَنْ يَعِيشَا مَحَبَّةً بَاذِلَةً وَمُتَبَادَلَةً.
وَلِذٰلِكَ يَخْتِمُ الرَّبُّ يَسُوعُ تَعْلِيمَهُ عَنِ الزَّوَاجِ بِهٰذِهِ الْكَلِمَاتِ الْحَاسِمَةِ:
«فَالَّذِي جَمَعَهُ ٱللَّهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ» (متى ١٩: ٦).
إِنَّ الزَّوَاجَ الْمُقَدَّسَ فِي الرُّؤْيَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُؤَسَّسَةٍ ٱجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ طَرِيقُ قَدَاسَةٍ وَمَسِيرَةُ نِعْمَةٍ. فَالْبَيْتُ الزَّوْجِيُّ يُصْبِحُ كَنِيسَةً صَغِيرَةً، وَمَذْبَحًا لِلْمَحَبَّةِ الْيَوْمِيَّةِ، وَمَدْرَسَةً لِلْغُفْرَانِ وَالتَّضْحِيَةِ. وَحِينَ يُبْنَى الزَّوَاجُ عَلَى ٱللَّهِ، يَصِيرُ الْبَيْتُ مَكَانًا لِلسَّلَامِ وَالنِّعْمَةِ، وَطَرِيقًا يَسِيرُ فِيهِ الزَّوْجَانِ مَعًا نَحْوَ الْقَدَاسَةِ وَالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ.
الأب أغسطينوس بِالْمِيلَادِ: مِيلَاد سَامِي مِيخَائِيل بُطْرُس...





