د. عايدة نصيف
اكتب مقالى هذا مع احتفالات شهر مارس بأعياد المرأة، وعلى رأسها اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس. وهي مناسبة مهمة للتوقف امام دور المرأة وإسهاماتها في المجتمع.
فالمرأة أحد أهم الفاعلين في مسيرة المجتمعات الإنسانية، فهي شريكة الرجل في بناء الحضارة وصناعة المستقبل. وقد لعبت عبر التاريخ أدوارًا متعددة في زمن السلم كما في زمن الحرب، فكانت رمزًا للحياة والعطاء في فترات الاستقرار، وركيزة للصمود والتضحية في أوقات الأزمات والصراعات. ومن هنا يبرز دور المرأة بوصفها عنصرًا أساسيًا في تحقيق السلام، وفي الوقت نفسه أحد أكثر الفئات تأثرًا بالحروب والنزاعات.
في زمن السلم، تضطلع المرأة بدور محوري في تنمية المجتمع وبناء الإنسان. فهي الأم التي تربي الأجيال على قيم المحبة والتسامح، والمعلمة التي تنقل المعرفة، والطبيبة والمهندسة والباحثة التي تسهم في تقدم العلم والتنمية. كما أن مشاركة المرأة في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية أصبحت ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة، إذ أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تمنح المرأة فرصًا متكافئة تحقق تقدمًا أكبر واستقرارًا أعمق.
لكن عندما تندلع الحروب، تصبح المرأة في كثير من الأحيان أول من يدفع الثمن. فالحروب لا تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، حيث تتحمل النساء أعباء فقدان الأبناء أو الأزواج، وتتحمل مسؤوليات مضاعفة في إعالة الأسرة والحفاظ على تماسكها. كما تواجه النساء في مناطق النزاع تحديات إنسانية قاسية مثل النزوح والفقر وانعدام الأمن، فضلًا عن تعرضهن لمخاطر متعددة تمس الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية.
ومع ذلك، لم تكن المرأة مجرد ضحية للحروب، بل كانت أيضًا عنصرًا فاعلًا في مواجهتها والتغلب على آثارها. فقد شاركت النساء في المقاومة، وأسهمن في العمل الإنساني والإغاثي، وكنّ في كثير من الأحيان صوتًا قويًا يدعو إلى وقف النزاعات وإحلال السلام. وفي تجارب عديدة حول العالم، لعبت النساء دورًا مهمًا في عمليات المصالحة وبناء السلام بعد انتهاء الصراعات، مستندات إلى قيم الحوار والتفاهم والتعايش.
ومن هذا المنطلق، أدرك المجتمع الدولي أهمية إشراك المرأة في صنع السلام، فصدرت مبادرات واتفاقيات دولية تؤكد ضرورة تمكين المرأة ومشاركتها في عمليات السلام وصنع القرار. فوجود المرأة في طاولات المفاوضات يضيف منظورًا إنسانيًا واجتماعيًا يركز على إعادة بناء المجتمع وتعزيز الاستقرار المستدام.
إن العلاقة بين المرأة والسلام علاقة جوهرية، فطبيعة دورها في الأسرة والمجتمع تجعلها أكثر حرصًا على الاستقرار وحماية الحياة الإنسانية. لذلك فإن تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف مجالات الحياة يمثل خطوة أساسية نحو عالم أكثر سلامًا وعدالة.
وفي النهاية، تبقى المرأة رمزًا للقوة الناعمة التي تبني ولا تهدم، وتزرع الأمل في مواجهة الدمار. فهي بين السلام والحرب تحمل رسالة إنسانية عظيمة، عنوانها حماية الحياة وصناعة مستقبل يسوده الأمن والتعاون بين الشعوب.
نقلا عن فيتو





