روبير الفارس
أهدى المفكر القبطي الكبير كمال زاخر كتابه الجديد "كنيستنا القبطية.. إلى أين؟ " إلى قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، حاملًا إليه عبر صفحات الكتاب رؤية متكاملة للإصلاح الكنسي، وهي الرؤية التي ظل يحمل صليبها منذ سنوات طويلة، مدافعًا عنها في مقالاته وندواته وكتبه، ومؤسسًا لها من خلال ما عُرف بالتيار العلماني القبطي، وجاء هذا اللقاء في خطوة تحمل دلالة فكرية وروحية معًا. 
 
الكتاب لا يأتي بوصفه عملًا عابرًا في مكتبة الفكر القبطي، بل يبدو أشبه بخلاصة رحلة فكرية طويلة خاضها زاخر دفاعًا عن فكرة الإصلاح داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إيمانًا منه بأن الكنيسة – مثل كل مؤسسة تاريخية حية – تحتاج دائمًا إلى مراجعة ذاتها وتجديد أدواتها حتى تظل قادرة على خدمة رسالتها الروحية في عالم سريع التحول.
 
رحلة فكرية في مواجهة العواصف 
على مدى سنوات، كان كمال زاخر أحد أبرز الأصوات التي دعت إلى فتح ملف الإصلاح الكنسي بهدوء وجرأة في آن واحد.
أسس التيار العلماني، وعقد مؤتمرات وندوات، وكتب العديد من المقالات والكتب التي ناقشت قضايا الإدارة الكنسية ودور العلمانيين ومستقبل الخطاب الكنسي.
 
وخلال هذه الرحلة لم يكن الطريق مفروشًا بالورود. فقد تعرض زاخر لهجمات قاسية من تيارات محافظة رأت في دعوات الإصلاح خروجًا على المألوف. هاجمه البعض دون قراءة، وانتقده آخرون دون حوار، لكن الرجل ظل متمسكًا بحلمه، حاملًا رؤيته في نبض قلبه الصادق، متحديًا ما يسميه أنصار الإصلاح «طيور الظلام» التي تخشى أي محاولة للتجديد.
 
قراءة جريئة لواقع الكنيسة
في كتابه الجديد، يقدم زاخر قراءة تحليلية لواقع الكنيسة القبطية وتحولاتها عبر العقود الأخيرة، محاولًا تتبع جذور عدد من الإشكاليات التي تواجه الحياة الكنسية، سواء على مستوى الإدارة أو الخطاب الديني أو العلاقة بين المؤسسة الكنسية والمجتمع.
 
ويرى الكاتب أن الكنيسة القبطية مرت عبر تاريخها بمراحل متعددة من التوتر والتحول، وأن ما يبدو أحيانًا كصراع داخلي قد يكون في حقيقته «مخاضًا تاريخيًا» يسبق ولادة مرحلة جديدة أكثر نضجًا ووعيًا.
 
من أهم القضايا التي يناقشها الكتاب إعادة الاعتبار للدور التاريخي للعلمانيين أو «الأراخنة» داخل الكنيسة.
 
فالتاريخ القبطي – كما يوضح زاخر – يكشف أن ازدهار الكنيسة كان دائمًا مرتبطًا بحالة من التناغم بين القيادة الروحية وبين النخبة القبطية المدنية.
وعندما اختل هذا التوازن في بعض الفترات، ظهرت توترات داخلية انعكست على الحياة الكنسية. لذلك يدعو الكاتب إلى استعادة هذا الدور التكاملي بين الإكليروس والعلمانيين، في إطار من الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة.
 
إصلاح الإدارة والخطاب
لا يتوقف الكتاب عند التشخيص، بل يحاول طرح ملامح مشروع إصلاحي يتناول عدة ملفات، من أبرزها:تطوير الإدارة الكنسية وتوسيع دوائر المشاركة في اتخاذ القرار. تعزيز الشفافية داخل المؤسسات الكنسية.تجديد الخطاب الكنسي ليصبح أكثر قدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة.إعادة الاعتبار للتعليم اللاهوتي باعتباره الأساس الحقيقي لبناء الوعي الكنسي.
 
ويرى زاخر أن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الصدام، بل على الحوار العاقل القادر على استيعاب اختلاف الآراء داخل جسد الكنيسة الواحد.
 
الكنيسة والمجتمع
لا ينظر الكاتب إلى الكنيسة باعتبارها مؤسسة معزولة عن محيطها، بل يضعها في سياقها الوطني الأوسع. فالكنيسة القبطية – كما يؤكد – كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر ومجتمعها، وتأثرت بالتحولات الكبرى التي شهدها الوطن عبر العصور.
 
ومن هنا فإن أي حديث عن إصلاح الكنيسة لا يمكن فصله عن التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها المجتمع المصري.
 
كتاب يفتح باب الحوار
في النهاية، لا يقدم كتاب «كنيستنا القبطية.. إلى أين؟» إجابات نهائية بقدر ما يطرح أسئلة كبيرة حول مستقبل الكنيسة القبطية في القرن الحادي والعشرين.
 
إنه كتاب يحاول أن يفتح باب الحوار، لا باب الصراع؛ وأن يدعو إلى التفكير، لا إلى الاتهام. وربما في هذا تكمن قيمته الحقيقية: أنه يعيد طرح قضية الإصلاح الكنسي باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا معركة بين أطراف متنازعة.
 
وبين صفحات هذا الكتاب، يواصل كمال زاخر حمل حلمه القديم: كنيسة أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على الإصغاء لأبنائها، وأكثر استعدادًا لمواجهة أسئلة العصر دون خوف أو انغلاق.
نقلا عن البوابة