شريف منصور
فقرة من كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في حفل إفطار أكاديمية الشرطة يقول فيها:
“إسلام الدولة ده حاجة تانية… الدولة فيها ناس مسلمة وناس مش مسلمة، فيها ناس على خير وناس مش على خير، ناس مؤمنة وناس مش مؤمنة… ربنا سايبهم وبيرزقهم وماعملهمش حاجة… يبقى إحنا كنا عايزين نعمل.”
هذه الكلمات لم تكن مجرد زلة لسان، بل كانت مرآة صادقة لطريقة تفكير راسخة في الدولة المصرية منذ عقود. محاولة الرئيس التفرقة بين “إسلام الدولة” و“إسلام الفرد” جاءت مرتبكة ومتناقضة. أراد أن يقدم تفسيراً فلسفياً عميقاً، لكنه في النهاية لم يفعل سوى تفسير الماء بعد جهد بالماء.
فالدولة، بطبيعتها، إما أن تكون دولة مواطنة متساوية لكل أبنائها، أو دولة تمييز ديني. لا يوجد شيء اسمه “إسلام دولة” مع مساواة حقيقية. هذه معادلة لا تستقيم لا في القانون ولا في الواقع.
لكن الخطورة ليست فقط في الفكرة، بل في اللغة التي استخدمت.
عندما يقول الرئيس إن الدولة فيها “ناس مسلمة وناس مش مسلمة”، ثم يتبعها مباشرة بعبارة “ناس على خير وناس مش على خير”، فهو لا يقدم وصفاً محايداً للمجتمع، بل تقسيماً أخلاقياً ودينياً مبطناً.
ومن يعرف الواقع المصري يدرك فوراً من المقصود.
“الناس على خير” هم المسلمون.
أما “الناس مش على خير”، فهم في هذا الخطاب الأقباط البلاليص.
ثم يأتي التقسيم الثاني:
“ناس مؤمنة وناس مش مؤمنة”.
مرة أخرى الرسالة واضحة:
المؤمنون هم المسلمون…
أما الأقباط البلاليص فهم، في هذا التصنيف، “غير مؤمنين”.
ثم نصل إلى الجملة الأخطر:
“ربنا سايبهم وبيرزقهم وماعملهمش حاجة”.
هذه الجملة تحمل في داخلها فلسفة كاملة من الإقصاء.
فوجود هؤلاء الناس – أي الأقباط البلاليص – يصبح مجرد أمر واقع لأن الله “سايبهم”، لا لأنهم أصحاب حق في وطنهم.
وكأن غير المسلم في مصر يعيش لأن السماء سمحت له بالبقاء، لا لأن الدستور والقانون يجب أن يحميه كمواطن كامل الحقوق.
ثم تأتي العبارة الغامضة:
“يبقى إحنا كنا عايزين نعمل…”
نحن كنا عايزين نعمل ماذا بالضبط؟
الرئيس لم يكمل الجملة.
لكن الواقع المصري يكملها بوضوح.
فالدولة التي تتحدث عن التسامح تمارس على الأرض سياسات يعرفها كل قبطي جيداً:
قوانين كنائس استثنائية، قيود أمنية على بناء دور العبادة، تمييز في الوظائف الحساسة، تضييق في الجامعات، وخطاب إعلامي يغذي الكراهية ثم يتظاهر بمحاربتها.
والقضاء الذي يفترض أن يكون ملاذ العدالة تحول في كثير من القضايا إلى أداة تضغط على الأقباط البلاليص وتضعهم دائماً في موقع المتهم، حتى عندما يكونون هم الضحايا.
لهذا فإن هذه الكلمات لم تهدئ القلق، بل زادته.
لم تطمئن الأقباط، بل أكدت ما يعرفونه جيداً منذ سنوات.
أن هناك نظرة راسخة داخل مؤسسات الدولة ترى غير المسلمين باعتبارهم مشكلة يجب إدارتها، لا مواطنين يجب احترام حقوقهم.
لكن ربما المثال الأكثر قسوة ووضوحاً على هذه العقلية هو ما يحدث اليوم في قضية الفتاة القبطية سيلفانا عاطف.
هذه الفتاة، التي تعاني من إعاقة ذهنية، اختفت من أسرتها في ظروف غامضة.
بدلاً من أن تتحرك الدولة لحمايتها وإعادتها إلى عائلتها، حدث العكس تماماً.
تم إخفاؤها عن أسرتها، ومنع أهلها من رؤيتها، وكأنها سجينة محكوم عليها وليست فتاة مريضة تحتاج إلى حماية ورعاية.
أي قانون في العالم يسمح بأن تُحرم أسرة من رؤية ابنتها المعاقة ذهنياً؟
وأي إنسانية في أن تتحول الضحية إلى شخص معزول عن أهله بهذه الطريقة؟
ما يحدث في هذه القضية ليس مجرد خطأ إداري.
إنه عار أخلاقي وقانوني يكشف كيف يمكن للسلطة أن تتعامل مع إنسان ضعيف عندما يكون من الفئة التي ينظر إليها البعض باعتبارها “الأقباط البلاليص”.
وهنا تعود كلمات الرئيس لتكشف حقيقتها.
عندما يقال إن هناك “ناس على خير وناس مش على خير”، و“ناس مؤمنة وناس مش مؤمنة”، ثم نرى كيف تُعامل فتاة قبطية معاقة وكأنها شيء يجب إخفاؤه عن عائلته… فإن الصورة تصبح كاملة.
لم يعد الأمر مجرد كلمات في خطاب.
بل واقعاً مؤلماً يعيشه الناس.
إن قضية سيلفانا ليست مجرد قضية إنسانية معزولة.
إنها اختبار أخلاقي للدولة المصرية كلها.
فإما أن تعيد هذه الفتاة فوراً إلى أسرتها وتفتح تحقيقاً شفافاً فيما حدث،
وإما أن تبقى هذه القضية وصمة عار جديدة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي يعرفها كل قبطي في مصر.
وفي النهاية، قد يستطيع الخطاب السياسي أن يجمّل الصورة لبعض الوقت،
لكن الحقيقة أبسط بكثير من كل الكلمات.
الدولة التي تحترم مواطنيها لا تصنفهم إلى مؤمنين وغير مؤمنين،
ولا تصف بعضهم بأنهم “ليسوا على خير”،
ولا تخفي فتاة معاقة عن أسرتها وكأنها مجرمة.
الدولة التي تفعل ذلك لا تكشف عن قوة…
بل تكشف فقط عن عمق الأزمة الأخلاقية التي تعيشها.




