بقلم: زياد حلبي
يعيش الشرق الأوسط لحظة تتجاوز مجرد تصعيد عسكري جديد. فما يجري اليوم لا يمكن قراءته بوصفه مواجهة عابرة بين إسرائيل وإيران، بل كحرب أميركية إسرائيلية على إيران، تطرح في جوهرها سؤالًا أكبر بكثير: من يملك حق رسم قواعد القوة والأمن في الشرق الأوسط القادم؟
قبل أشهر قليلة فقط شهدت المنطقة ما سُمّي بحرب الصيف على إيران. يومها وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب معلنًا أن الضربات دمّرت البرنامج النووي الإيراني. وفي تل أبيب أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن القدرات البالستية الإيرانية تلقت ضربة قاصمة وأن ميزان الردع قد تغيّر.
لكن الشرق الأوسط لا يعترف كثيرًا بإعلانات النصر.
فبعد ثمانية أشهر فقط عادت المنطقة إلى الحرب نفسها تقريبًا، وعلى الأرضية نفسها التي قيل إنها انتهت: النووي والبالستي معًا. أما الهدف الآخر الذي يجري الحديث عنه، وهو إسقاط النظام الإيراني، فيبدو حتى الآن طموحًا شديد التعقيد. فلا مؤشرات واضحة على تفكك داخلي أو انهيار في بنية الحكم، كما أن الشارع الإيراني لم يتحول إلى عامل حاسم في هذه المعادلة.
وكأن الضربة السابقة لم تُنهِ الصراع بل علّقته مؤقتًا. وهذا يكشف أن المسألة لم تكن يومًا مجرد منشآت نووية أو منصات صواريخ، بل معادلة قوة كاملة تتجاوز هذه العناوين التقنية.
من هنا يبدو أن الصراع انتقل من مرحلة الحروب غير المباشرة إلى مواجهة أكثر وضوحًا بين القوى الرئيسية. فالساحات الوسيطة التي استُخدمت لسنوات طويلة لم تعد وحدها ميدان الصراع، بل باتت المنطقة كلها مسرحًا مفتوحًا لتوازنات جديدة يجري اختبارها بالقوة.
في خلفية ذلك يظهر مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” الذي طُرح لسنوات طويلة بصيغة اقتصادية: ممرات تجارة، وشبكات طاقة، وربط جغرافي بين آسيا وأوروبا. غير أن ما تكشفه الحرب الحالية أن هذه المشاريع لا يمكن أن تقوم من دون بنية أمنية تفرض الاستقرار أولًا، حتى لو كان ذلك بالقوة.
لكن هذه المعادلة تصطدم أيضًا بجدل داخلي داخل الولايات المتحدة نفسها. فبين شعار “أمريكا أولًا” الداعي إلى تقليص الانخراط الخارجي، وبين من يرى أن الحفاظ على النفوذ الأميركي يمر عبر الردع العسكري، ينقسم النقاش الأميركي حول حدود الدور في الشرق الأوسط.
وسط كل ذلك تبرز مفارقة لافتة. فخلال السنتين والنصف الأخيرتين فتحت إسرائيل عدة جبهات في المنطقة، لكنها لم تنجح فعليًا في إغلاق أي منها بصورة نهائية. الحروب تبدأ بقرار واضح، لكن نهاياتها تبقى مفتوحة. وهي معضلة استراتيجية معروفة: القدرة على بدء الحرب لا تعني بالضرورة القدرة على إنهائها.
وفي هذا السياق أخذت المواجهة الحالية طابعها الواضح كحرب أميركية إسرائيلية على إيران، مع امتدادها إقليميًا وفتح المجال أمام طهران لاستهداف محيط الخليج العربي والبنى الطاقية وخطوط الملاحة.
وفي واشنطن بدأ يتردد حديث عن احتمال تدخل بري داخل إيران. مجرد طرح هذا الاحتمال يعيد إلى الذاكرة أزمة السفارة الأميركية في طهران عام 1979 وأزمة الرهائن، وكذلك فشل عملية قوات دلتا في الصحراء الإيرانية.
كما أضاف تصريح حديث للرئيس دونالد ترامب طبقة أخرى من التعقيد، حين قال إن الأكراد أبدوا رغبة في المشاركة في الحرب داخل إيران، لكنه رفض ذلك لأنه لا يريد أن يتدخلوا أو يتضرروا، مؤكدًا أن الحرب معقدة بما يكفي. وأضاف عبارة لافتة حين قال إنه لا يستطيع أن يضمن أن خريطة إيران ستبقى كما هي.
ورغم الانطباع السائد في بعض الأوساط بأن بنيامين نتنياهو نجح في جرّ دونالد ترامب إلى هذه الحرب بأوراق ضغط محكمة، فإن القلق الإسرائيلي لم يتبدد من احتمال أن يقرر الرئيس الأميركي وقف الحرب مبكرًا وإعلان الانتصار، كما فعل سابقًا عندما تحدث عن إنهاء عدة حروب وتحقيق سلام في غزة.
وقد أشرت في مقالات سابقة إلى أن المنطقة قد تكون مقبلة على حروب كبرى تعيد رسم خرائطها وتحالفاتها. لكن وسط هذا الضجيج العسكري والسياسي تبقى قضية يجري التعامل معها وكأنها خارج المشهد، رغم أنها في قلبه.
إنها القضية الفلسطينية.
ولست هنا أكرر ما يكتبه الجميع اليوم، بل ما سبق أن أشرت إليه: أن أي محاولة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط مع تجاوز هذه القضية لن تنتج استقرارًا حقيقيًا. فبالنسبة لإسرائيل قد يبدو التهديد الإيراني خطرًا استراتيجيًا، لكن التحدي الوجودي الأعمق يبقى مرتبطًا بالصراع مع الفلسطينيين، وبالوجود الديمغرافي، وبنزاع سياسي لم تنجح أي تسوية حتى الآن في إنهائه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في هذه اللحظة ليس من سيعلن النصر، بل:
أي شرق أوسط سيخرج من هذه الحرب؟
هل هو شرق أوسط تُفرض قواعده بالقوة؟
أم شرق أوسط يبقى أسير صراعات لم تُحل جذورها بعد؟





