بقلم / هاني صبري - المحامي
تثار بين الحين والآخر أطروحات تنكر واقعة صلب السيد المسيح له المجد، ومنها ما ذهب إليه الكاتب يوسف زيدان من التشكيك في أن المسيح صُلِب على خشبة الصليب.
غير أن هذه الدعوى تصطدم بحقائق راسخة في الدراسات التاريخية، إذ إن صلب المسيح يُعد من أكثر الأحداث توثيقًا في تاريخ العالم ، وقد ورد ذكره في مصادر متعددة ومتنوعة، بعضها مسيحي وبعضها غير مسيحي، بل إن النقاش حوله حاضر أيضًا في التراث الإسلامي.
ومن ثم فإن معالجة هذه المسألة تستلزم قراءة علمية تجمع بين التاريخ والنصوص الدينية ومناهج البحث الموضوعي.
أولًا: التأصيل التاريخي لواقعة الصلب.
تُعد واقعة صلب السيد المسيح من أكثر الأحداث التاريخية توثيقًا في العالم القديم التي حظيت بإجماع واسع بين المؤرخين القدماء والباحثين المعاصرين. فالمصادر التاريخية التي تحدثت عن هذه الواقعة لا تقتصر على النصوص المسيحية، بل تشمل كذلك مؤرخين يهودًا ورومانًا لم يكونوا من أتباع المسيحية.
فالمؤرخ اليهودي الشهير يوسيفوس فلافيوس في كتابه الآثار اليهودية أشار إلى أن يسوع الناصري حكم عليه بالصلب في عهد الوالي الروماني بيلاطس البنطي.
كما ذكر المؤرخ الروماني تاسيتوس في كتابه الحوليات أن المسيح عوقب بالصلب في زمن الإمبراطور طيباريوس وعلى يد بيلاطس البنطي. وهذه شهادات تاريخية مستقلة تؤكد أن الصلب لم يكن مجرد رواية دينية بل حدثًا تاريخيًا معروفًا في العالم الروماني.
كما أن طريقة الصلب كانت من العقوبات الشائعة في القانون الروماني آنذاك،. ومن ثم فإن وضع السيد المسيح في سياق الحكم الروماني يفسر تاريخيًا صدور حكم الصلب عليه.
واللافت في هذه الروايات أن التحقيقات التي أجريت معه انتهت إلى إثبات براءته. فقد أعلن بيلاطس صراحة: “أنا بريء من دم هذا البار” (متى 27: 24).
ومن هنا يرى الإيمان المسيحي أن المسيح صُلِب وهو البار الذي لم يفعل خطية، وأنه قبل طوعًا حبًا وفداءً عن البشر وقام بقوة ذاته لأجلنا ، كما قال:
“ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يوحنا 15: 13).
وبذلك لا يُفهم الصليب في اللاهوت المسيحي باعتباره مجرد عقوبة رومانية، بل باعتباره أعظم إعلان للمحبة الإلهية في التاريخ.
ثانيًا: التأصيل من الكتاب المقدس
النصوص المسيحية في العهد الجديد تقدم رواية متكاملة ومتفقة في جوهرها عن حادثة الصلب. فجميع الأناجيل الأربعة تؤكد أن السيد المسيح صُلِب على خشبة الصليب في أورشليم.
ففي إنجيل متى (الإصحاح 27) ورد:
«فَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا».
وفي إنجيل مرقس (الإصحاح 15):
«وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا».
كما جاء في إنجيل لوقا (الإصحاح 23):
«وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى جُلْجُثَةَ صَلَبُوهُ هُنَاكَ».
ويذكر إنجيل يوحنا (الإصحاح 19) تفاصيل الصلب قائلًا:
«حَيْثُ صَلَبُوهُ وَصَلَبُوا مَعَهُ آخَرَيْنِ».
وتكاد هذه النصوص تمثل شهادة متعددة المصادر داخل التقليد المسيحي، حيث توافقت روايات مختلفة على جوهر الحدث ذاته.
حيث يشكل الصليب محور الرسالة المسيحية منذ نشأتها الأولى. فالرسل الذين عاصروا الحدث أعلنوا بوضوح أن المسيح قد صُلب ومات ثم قام من بين الأموات. يقول القديس بولس الرسول: “فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب” (1 كورنثوس 15: 3).
كما أن رسائل بولس الرسول، يقول في رسالته إلى كورنثوس: «نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا». وهي من النصوص التي تؤكد الصلب بوضوح.
ومن ثم فإن الصليب في الفكر المسيحي ليس حادثة عرضية، بل جزء من خطة الخلاص الإلهية المعلنة عبر التاريخ.
ثالثًا: التأصيل من التراث الإسلامي.
عند الانتقال إلى التراث الإسلامي نجد أن مسألة صلب المسيح طُرحت أساسًا في تفسير قوله تعالى:
“وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم” (النساء: 157).
غير أن قراءة التراث التفسيري الإسلامي تظهر تنوعًا في فهم هذه الآية. فبعض المفسرين رأى أن المقصود نفي يقين اليهود بقتل المسيح، لا نفي وقوع الصلب في ذاته.
وقد تناول كبار المفسرين هذه الآية ببحث مطول، ومن أبرزهم الإمام الطبري في كتابه جامع البيان في تفسير الآية، ذكر أن اليهود سعوا إلى صلب المسيح، وأن عملية الصلب وقعت بالفعل، غير أن الروايات اختلفت في هوية المصلوب.
وهذا يعني أن الطبري لم يناقش وقوع حادثة الصلب من حيث المبدأ، بل ناقش مسألة من الذي وقع عليه الصلب.
أما فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب، فأشار إلى أن قصة الصلب كانت مشهورة ومتداولة بين الناس، وأن الخلاف وقع في تحديد الشخص المصلوب.
وهذا يدل على أن النقاش في التراث التفسيري الإسلامي لم يكن حول وقوع حادثة الصلب من حيث المبدأ، بل حول تفسير النص القرآني وهوية المصلوب.
وفي جميع الأحوال فإن القرآن يقرر بوضوح مكانة المسيح العظيمة في الإسلام، إذ يقول:
﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ ﴾ (النساء: 171).
ومن ثم فإن الجدل حول تفاصيل الصلب في الفكر الإسلامي لا ينفي الاحترام والتقدير لشخص المسيح، بل يعكس تنوعًا في الفهم التفسيري للنص القرآني.
رابعًا: إجماع المؤرخين المعاصرين على واقعة الصلب.
في الدراسات التاريخية الحديثة يُعد صلب المسيح من الوقائع شبه المتفق عليها بين الباحثين.
فالمؤرخ "بارت دي إهرمان" يقول إن صلب يسوع بأمر بيلاطس البنطي “يُعد من أكثر الوقائع التاريخية يقينًا في حياته”.
كما يرى المؤرخ "جيزا فيرميس" أن صلب يسوع “حقيقة تاريخية لا يكاد يشك فيها الباحثون”.
ويذهب الباحث جون دومينيك كروسان إلى القول إن صلب يسوع “حقيقة مؤكدة بقدر ما يمكن لأي حدث في التاريخ القديم أن يكون مؤكدًا”.
وهذا الإجماع الأكاديمي لا يعتمد على الإيمان الديني، بل على التحليل النقدي للمصادر التاريخية.
خامساً : إدعاء إنكار الصلب يصطدم بثلاثة مستويات من الأدلة:
1- الشهادة التاريخية من مؤرخين مسيحيين وغير مسيحيين.
2 - الشهادة النصية في العهد الجديد التي جاءت من مصادر متعددة متقاربة زمنًا من الحدث.
3- التقليد الديني المتواصل الذي حافظ على ذكرى الحدث عبر القرون.
وفي منهج البحث التاريخي، عندما تتعدد الشهادات المستقلة حول واقعة واحدة، فإن احتمال وقوعها يكون هو التفسير الأقرب إلى المعقولية العلمية.
إن واقعة صلب السيد المسيح ليست مجرد عقيدة دينية لدى المسيحيين، بل حدث تاريخي تدعمه مصادر متعددة. والنقاش العلمي حولها ينبغي أن ينطلق من احترام النصوص التاريخية والدينية معًا، ومن الالتزام بالمنهج العلمي في قراءة التراث.
والحقيقة أن شخصية السيد المسيح، تظل أعظم الشخصيات الروحية في تاريخ الإنسانية، وقد شكلت رسالته دعوة دائمة إلى المحبة والرحمة والسلام، وهي القيم التي يحتاجها العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.





