بقلم الأب يسطس الأورشليمى
 أن تقُوم على إيمان أقدس مستقيم، هذا الإيمان يلزم أن يكُون مُرتبط به الأعمال: فابنُوا، وهُنا يظهر ضرُورة الجهاد، والعمل من جانبنا بقُوة الرُوح الساكن فينا..

مُصلّين في الرُوح القُدس، إذ كُل عمل أو جهاد يقُوم على غير الصلاة يكُون باطلاً، فهُناك نُوع من الوحدة المُشتركة غير المُنفصلة بين الاثنين، فالصلاة الدائمة والفضائل، وكمال الصلاة هُو تاج بنيان كُل الفضائل، فإذا لم تتحد كُل فضيلة اتحاداً بالصلاة بكُونها تاجها لا يكُون لها قُوة وثباتاً، ودوام الهدُوء في الصلاة، وثباته لا يمكن أن يكُون أكيداً وكاملاً ما لم تسندها الفضائل، ولا يمكن اقتناء الفضائل التي تضع أساساتها اقتناءً كاملاً ما لم تثبت في الصلاة أولاً (مت21:17)..       
     
من المُفيد لنا أن نتأكد أنه بالرغم من أننا نجاهد في الفضائل جهاداً غير باطل، لا نستطيع بلُوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المُجرد للبلُوغ إلى عطية النعمة الغنية ما لم يصُون جهاده التعاون مع الله وتوجيهات الله للقلب نحُو الحقّ..    

 عمل إيمانهُم، تعب محبتهُم، صبر رجائهُم، هذه الأمُور الثلاثة تُمثل وحدة واحدة لا يُمكن تقسيمها عن بعضها البعض، فإن كان الإيمان بكلمة الحقّ يدفع المُؤمن للعمل لحساب الملكُوت الأبدي، فإنه يفتح القلب بالحُب لله والناس، فيشتهي المُؤمن أن يحمل صبر المسيح الذي من أجل السرُور الموضُوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي..

تأتي الأبدية فيزُول الإيمان، إذ نرى الله وجهاً لوجه، وينتهي الرجاء إذ ننعم بما كُنا نترجاه ونأخذ الميراث، لكن تبقى المحبّة التي لا تسقط أبداً، ومغبُوط هُو العطاء أكثر من الأخذ.. 

هذه المحّبة التي قامت على أساس الإيمان، وانطلق لهيبها خلال الرجاء، وفي بقاء الحُب الأبدي تكريم للإيمان والرجاء، لذلك يثبُت الإيمان، والرجاء، والمحّبة، هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبّة..

إذ لنا رجاء في محّبة الله مُنتظرين الأبدية، يلزمنا ألاّ نيأس من جهة الآخرين بل نترفق بهُم، وهذا الترفق يكُون بتمييز وحكمة، فالبعض يحتاج إلى اللين في معاملته، والآخر نترفق به خلال التأديب والحزم معه حتى يرتدع، وذلك كقُول الآباء القديسين في معاملاتهُم:

يقُول القديس أغريغُوريُوس: لتكُن المحبّة ولكن بدُون رخاوة، ولتكُن القسُوة ولكن بدُون شدة، والشفقة غير مغالٍ في التسامح.. 

ويقُول القديس امبرُوسيُوس: يجب أن تكُون هُناك معايير لتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر اللين الزائد، أو القسوة المغالي فيها.. 

ويقُول القديس يُوحنا الدرجي: مَن يرعى الخراف لا ينبغي أن يكُون أسداً ولا نعجة، فلا تكُن جامداً فتنكسر، ولا ليناً فتعصر..

إن عيني لا تفارقانك، ذلك كالفخاري الذي لا يُحوّل عينيه عن الآنية التي في داخل الفرن حتى لا تحترق، وكالأب الذي يترك كُل عمله لكي يلازم ابنه المتألم ساعة آلامه وضيقته، هُو يعرف درجة الحرارة التي تناسبه، فلا يسمح إلا بالقدر الذي يناسبه لأجل خلاصه وبنيانه، والرّب يعلم ما يحدث لأولاده حتى لو صارُوا في أشد حالات الفقر..

عجيب هُو الرّب، الذي يُعطي نفسه أسماء تتغير بتغير الحالة..

 وهكذا يُقدم أربعة تشبيهات لعمل المسيح في حياة مُؤمنيه:
خلال هذه التشبيهات يرانا أشبه بإنسان مسافر يجد في المسيح كُل شيء، متى هبت عليه العواصف العنيفة، وجد فيه الملجأ الأمين، وإن لحقته سيُول جارفة يجده غطاءً واقياً، وإن عانى من الظمأ، يصير له الرّب أنهار مياه حّية، وإن هاج العالم كُله يستظل فيه كصخرة صلدة قُوية قادرة أن تخفيه وتحميه من الموت، بمعنى أن الله المُخلّص يُقدم ذاته كُل شيء لمُؤمنيه، فتقُول: الرّب راعيّ فلا يعُوزُني شيءٌ (مز23)..

تأتيه وأنت مُنسحق القلب في دمُوع التُوبة، يُعطيك صُورته وهُو يمسح كُل دمعة من عينيك (رؤ4:21)، تأتيه وأنت مُستهتر، يُعطيك صُورته وهُو ممسك بالسُوط، ويطرد الباعة من الهيكل (يو15:2)، فإن أردت أن تتمتع بصُورة جميلة لله أسلُك بما يناسبها، وهنا نلاحظ مع الهراطقة والمُفسدين تلزم صُورة السيف الماضي ذي الحدين، فلماذا يا ترى؟!

لأن كلمة الله حيةٌ وفعالةٌ وأمضى من كُل سيفٍ ذي حدّين، وخارقةٌ إلى مفرق النفس والرُوح والمفاصل والمخاخ، ومُميزةٌ أفكار القلب ونياته، هذا هُو سيف فمه القاطع الذي يُميز الأمُور وله قُوته، فبالنسبة إلى الخطايا له حدّ يُعاقب على الأرض أو يوبخ، وله حدّ يُمثل الدينُونة في السماء، وحدّ يُعالج ويُصلح، فالسيف ذُو الحدين هُو كلمة الله التي مرة تقُول: لا تخف، أنا معك لا يقع بك أحدٌ ليُؤذيك، ومرة تقُول: إني لم أعرفكُم قط، اذهبُوا عني يا فاعلي الإثم، راجع (مت23:7؛ أع10:18)..