(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
المرحلةُ الثالثة: يسوعُ يقع تحت الصليب للمرّة الأُولى
«مُزدَرًى ومَتْروكٌ مِنَ النَّاس، رَجُلُ أَوجاعٍ وعارِفٌ بِالأَلم، ومِثلُ مَن يُستَرُ الوَجهُ عنه، مُزدَرًى فلَم نَعبَأْ بِه. لقَد حَمَلَ هو آلامَنا وٱحتَمَلَ أَوجاعَنا، فحَسِبْناه مُصابًا مَضْروبًا مِنَ اللهِ ومُذَلَّلًا» (أَشَعْيا 53: 3-4).
إنَّها سقطةُ يسوع الناصريّ المنهك الأُولى، التي لن تكون بدورها الأخيرة، فثمَّة –وفقًا لتقويّات مراحل أو محطات دَرْب الصليب الحالية– سقطاتان أُخريان له. ولم يذكر العهدُ الجديد، في أيّ من البشائر الأربع، هذه السقطات الثلاث. فماذا تعني سقطةُ يسوع المسيح الأُولى، له ولنا؟
تشير هذه السقطةُ الأُولى، بالنسبة ليسوع الناصريّ، إلى بشريّته (ناسوته أو إنسانيّته) التامّة؛ إنّها بشريّةٌ مقدَّسة وكاملة، من دون الخطيئة، ولكنّها أخذت على عاتقها نتائج الخطيئة وعواقبها، أي الضعف والتعب والإرهاق والإعْياء والهوان والموت. أجل، إنّ الابن المتجسّد اتّخذ طبيعتنا، التي لم تتلاشى فيه، وإن كانت مثقلةٌ بحالنا بعد الخطيئة، إذ إنّه شابهنا –كإخوته–، و«ٱمتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة» (عبرانيّين 4: 15). ومع أنّه قد وَقَعَ منهكًا تحت وَطَأَة الصليب للمرّة الأُولى، ولكنّه كإنسانٍ، وبقوّة إرادته وطاقته البشريّتين، المرتبطتين بطبيعته البشريّة والمتّحدتين بطبيعته الإلهيّة في شخصه الواحد، قد تحامل على جسده ونفسه ومعنوياته، وقام مرّةً أُخرى من سقطته، من أجلنا.
أمَّا بالنسبة لنا نحن البشر، فتُظهِر سقطةُ يسوع المسيح الأُولى أنّنا كبشرٍ معرّضون للسقوط وقادرون على القيام من كبواتنا وسقطاتنا جميعها أيضًا، وهذا انطلاقًا من قوّة الإرادة والطاقة البشريّتين، التي وضعها الله الخالق فينا، في انسجامٍ تامّ مع عمله الإلهيّ فينا. أجل، فنحن البشر، من جرّاء بشريّتنا المتناهيّة والمحدودة، يمكننا أن نقع مرّةً ومرّات، فالسقوط مرتبطةٌ بطبيعتنا البشريّة؛ ولكن –والشكر لخالقنا وراعينا وحامينا–، وانطلاقًا من طبيعتنا ذاتها، يمكننا أن ننهض ونقوم من سقطاتنا بأسرها. إنّنا كبشرٍ، وبفضل فعل الخلق الإلهيّ، ضعفاءٌ وأقوياءٌ في آنٍ واحدٍ. ويمكن للسان حال كلّ واحدٍ منّا يكون كهذا: «لا تشمَتي بي يا عَدُوَّتي، فإِنِّي إِذا سَقَطتُ أَقوم، وإِذا سَكَنتُ في الظَّلام، يَكونُ الرَّبُّ نورًا لي» (ميخا 7: 8 ).
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)





