د / اسطفانوس زكى
    في الثامن من مارس من كل عام يحتفل العالم بأسره بـ اليوم العالمي للمرأة.

لكن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل هو حكاية إنسانية  كتبتها المرأة عبر التاريخ بعرقها وصبرها وأحلامها. إنه يوم يذكرنا بأن وراء كل مجتمعٍ امرأةً تقف في صمت، لا تطلب الأضواء، لكنها تسند وتشد من أزر أسرتها ومجتمعها

   ففي بدايات القرن العشرين بدأت النساء في كثير من بلدان العالم يرفعن أصواتهن مطالبات بحقوقهن الإنسانية والاجتماعية: الحق في التعليم، والكرامة الانسانية، والمساواة في العمل، والمشاركة في الحياة العامة.

ومن أهم تلك اللحظات ما حدث عام ١٩٠٨ حين خرجت آلاف العاملات في شوارع نيويورك يطالبن بفرص عمل عادلة وظروف إنسانية. وبعد ذلك بعامين اقترحت المناضلة الألمانية كلارا زيتكن في مؤتمر النساء في كوبنهاجن أن يكون للمرأة يوم عالمي يذكّر العالم بقضيتها العادلة. ومع مرور السنوات اعتمدت الأمم المتحدة الثامن من مارس يومًا عالميًا للاحتفال بالمرأة 

    لكن الحقيقة أن المرأة لم تكن يومًا في احتياج إلى يومٍ واحدٍ في السنة لتثبت ذاتها وتؤكد حضورها؛ فهي موجودة في كل يوم، في تفاصيل الحياة الصغيرة والكبيرة.

 ذلك لان المرأة هي الأم التي تربي الأجيال، والمعلمة التي تنير العقول، والطبيبة التي تداوي الجراح، والمبدعة التي تضيف للحياة معنىً وجمالًا.

وفي مصرنا الغالية، أرض الحضارة العريقة، لعبت المرأة دورًا حيويا عبر تاريخها الطويل.

ففي مصر القديمة حكمت الملكة العظيمة حتشبسوت البلاد بحكمة وقوة، وتركت آثارًا ومعابد ما زالت شاهدة على قوة قيادة المرأة منذ آلاف السنين.
كما كانت الملكة نفرتيتي رمزًا للجمال والقوة والتأثير في التاريخ المصري القديم.

وفي العصر الحديث ظهرت نساء مصريات حملن القيادة.

فقد كانت هدى شعراوي من أوائل الداعيات إلى تعليم المرأة وتمكينها في المجتمع.

وكانت صفية زغلول، التي لقّبها الشعب بـ"أم المصريين"، رمزًا وطنيًا خلال ثورة ١٩١٩ في مصر، حين خرج المصريون مسلمون ومسيحيون يرفعون الهلال مع الصليب في مشهد وطني متميز  يؤكد أن مصر وطن للجميع.

وفي مجال العلم تألقت العالمة سميرة موسى التي حلمت بأن يكون العلم طريقًا للسلام لا للحرب.

وفي الفكر والأدب أثارت الكاتبة والطبيبة نوال السعداوي نقاشات واسعة حول قضايا المرأة والمجتمع.

وفي الفن أصبحت أم كلثوم أكثر من مجرد مطربة؛ فقد كانت صوتًا للوطن ووجدانًا جمع المصريين والعرب، خاصة في أوقات الحروب والأزمات.

لكن تاريخ المرأة لا يتوقف عند حدود مصر، فهناك نساء عالميات قدمن نماذج إنسانية ملهمة.

فقد كرّست الأم تيريزا حياتها لخدمة الفقراء والمحتاجين، وأصبحت رمزًا عالميًا للمحبة والعطاء.

كما تمثل هيلين كيلر قصة إنسانية مدهشة؛ فقد تحدّت الصمم والبكم والعمى لتصبح كاتبة ومحاضِرة وملهمة للملايين.

وفي مصر أيضًا عُرفت الراهبة الأمريكية ليليان تراشر بلقب "أم الأيتام"، حيث كرّست حياتها لرعاية آلاف الأطفال الأيتام في محافظة أسيوط.

إن هذه النماذج وغيرها تذكرنا بأن المرأة قادرة على تغيير العالم، ليس فقط بالقوة، بل أيضًا بالرحمة والإصرار.

ولعله من المهم أن نصحح عبارة كثيرًا ما تتردد: فلا ينبغي أن نقول دائمًا "وراء كل رجل عظيم امرأة"، بل الأجمل أن نقول إلى جوار كل عظيم امرأة؛ فالرجل والمرأة يسيران جنبًا إلى جنب لبناء أسرة قوية تكون نواة لمجتمع متماسك.

حيث تبدأ الحكاية
وربما أعظم ما تصنعه المرأة يحدث بعيدًا عن الأضواء… في البيت.

 حيث  تعلّم هناك اطفالها أول كلمة… كلمة "ماما"، وهي ربما أجمل كلمة في لغة الحياة.

ومن حضنها يتعلم الإنسان معنى الرحمة، ومن صبرها يتعلم معنى الاحتمال، ومن محبتها يتعلم معنى العطاء.

ولذلك قيل:
"إذا أردت أن تبني أمة فابدأ بتعليم امرأة."
فماذا يجب أن يفعل المجتمع لأجل المرأة؟

إن تكريم المرأة لا يكون بالكلمات وحدها، بل بإرادة حقيقية لبناء مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية، وذلك من خلال:
* التعليم العادل

ضمان حصول كل فتاة على حقها الكامل في التعليم.

* الحماية من العنف
وسنّ القوانين الصارمة التي تحمي المرأة من العنف والتحرش بكل صوره.
* العدالة في فرص العمل إتاحة فرص العمل والإبداع للمرأة دون تمييز.

*  دعم الأم العاملة
بسياسات اجتماعية تساعدها على التوازن بين الأسرة والعمل.

* تغيير الثقافة المجتمعية
بتربية الأبناء على احترام المرأة باعتبارها شريكًا في بناء المجتمع.

* إبراز النماذج النسائية الملهمة
حتى ترى الفتيات نماذج حقيقية تلهمهن.
فكرامة المرأة ليست قضية تخص النساء وحدهن، بل هي مقياس حضارة المجتمع كله.
كلمات خالدة عن المرأة

قال نابليون بونابرت:
"اليد التي تهز المهد هي اليد التي تحكم العالم."

وقال فيكتور هوغو:
"المرأة هي الكائن الذي يمنح العالم قلبه."

وقال المهاتما غاندي:
"إذا أردت أن تعرف حضارة أمة فانظر إلى مكانة المرأة فيها."

وقال طه حسين:
"تعليم المرأة ضرورة لا غنى عنها لنهضة المجتمع."

وقال جبران خليل جبران:
"المرأة ليست ظل الرجل، بل هي نور الحياة."
إهداء من القلب

وأخيرًا…
أهدي هذه الكلمات إلى أمي التي كانت أول مدرسة في حياتي، والتي أرضعتني  صغيرًا ورعتني  كبيرًا.
وإلى زوجتي التي أحبها من كل قلبي، والتي تشاركني رحلة العمر بحبٍ وصبر.
وإلى ابنتي الغالية التي أرى في عينيها الأمل والمستقبل.
والى كل امرأة لعبت ولازالت دورا  حيويا فى اسرتها ومجتمعها كل عام وانتن بخير