محمد يونس
عندما تراجع كتاب ( عجائب الأثار في التراجم و الأخبار ) لعبد الرحمن الجبرتي .. أو (موسوعة وصف مصر ) لعلماء الحملة الفرنسية .. أو ( بونابرتة في مصر ) ج. كرستوفر هيرولد.. و إنطباع الضباط و الجنود  الغزاة .. عن الأسكندرية و القاهرة ..و ناسها ..و طرق حياتهم ..و أساليب حكمهم ..  فستعرف كم كنا في بداية القرن التاسع عشر .. أمه ساذجة.. بعيدة تماما عن العلوم الحديثه  أو التكنولوجيا المعاصرة .. نعيش  متأخرين عن العالم بقرون عديدة  بسبب إستعمار عثماني طويل المدى  و تخلف مملوكي  كاتم علي النفوس دام لمدة سته قرون .

محمد علي .. عندما حكم البلاد .. فوجيء بهذا الركود الفكرى و العلمي و السلوكي الذى يعوقه عن تنفيذ مخططاتة   المتصلة بتكوين جيش قوى .. قادر علي السيطرة علي المنطقة ..و قيادتها ..

و لذلك كان عليه .. أن يبدأ بالتعليم .. و تطوير أساليب الإنتاج .. 
ما حدث في تلك الفترة .. من 1805 حتي 1882 .. عندما إحتل الإنجليز البلاد..  ستجد تفاصيله في مراجع عديدة .. تحكي .. عن تحويل مصر إلي إقطاعية ضخمة تنتج القطن  الجالب لثروات توازى ما تحصله الدول البترولية اليوم .

 في نفس الوقت  ظهورطبقة متوسطة مختلطة الأجناس .. تقوم بإدارة الدولة بصورة أكثر حداثة ... ثم جهل و تخلف ..و فقر .. و قنانة .. تغطي جموع المصريين 

 الزمن من 1923 ..بعدما  تحول السلطان فؤاد إلي ملك  في دولة حديثة لها دستور و برلمان و مجلس وزراء ..و خطط تنمية .. و علاقات متصلة بالثقافة الغربية ..و حرية المراة .... وإلي نهاية ستينيات القرن الماضي .. عندما إنكسر الطموح التنموي  الناصرى .. و بدات رحلة السقوط ... فترة مبهرة بالنسبة لاداء الطبقة الوسطي و تكوينها و نضجها 

 نصف قرن  كانت  فيه مصر بؤرة  التنوير  في منطقة حكمها لقرون الإنكشارية بالحديد و النار و حرصوا علي تخلفها .

 لقد قرانا لسلامة موسي ، طه حسين ، لويس عوض ، توفيق الحكيم و أحمد شوقي .. و إستمتعنا بجرائد و مجلات و كتب روزاليوسف و الأهرام و الهلال .. و إستمعنا لموسيقي سيد درويش.. و أصوات أم كلثوم و عبد الوهاب ..و نحت محمود مختار  و رسومات سيف وانلي .. و عشنا كفاح إقتصاد طلعت حرب .. و مقاومة هدى شعراوى و درية شفيق لتهميش المراة .. و حكمة  سعد زغلول ..و النحاس في إدارة الدولة و تلبية رغبات الناس .

ثم إختفي كل هؤلاء .. أو تناقص تواجدهم تدريجيا ..و حل محلهم جيل جديد  جرى تربيته ..و ترويضة علي السمع و الطاعة و عبادة الفرد .. و ترديد أيات المديح لمن بيده مفاتيح الكرار.

بعد 1952..  تحكم البكباشية محدودى العلم في عقل الأمة .. و صاغوه  ليناسب  الزمن الجديد .. 
سواء بالتعليم ، الثقافة ،الإعلام ، الفنون .. أو الدين .. و تحكموا في لقمة العيش لا يمنحوا بسخاء إلا  لمن يحكي عن الامجاد و الإنجازات و يغض البصر عن الخوف و المعتقلات .. و القرارات .. التي ادت في أغلب الأحوال  للسقوط المتتالي و العودة لقياسات القرن الثامن عشر .

 فإختفت كل مكاسب زمن النهوض ..و لم تعد الأمة تنتج يوسف إدريس أويوسف وهبي أو نجيب الريحاني أو بليغ حمدى .. أو سينما .. تسيطر علي سوق الناطقين باللغةالعربية .. أوتعليم راق 

لسمحة الخولي و رتيبة الحفني .. لقد نامت القوالب و الانصاص قامت 
بالامس أرسل لي صديق تعليقا ..  طارق عجلان (( لكن التعليم بعد عام 1953 كان ممتاز بالفعل وأنجب زويل ومجدى يعقوب وآلافا مؤلفة من اللامعين)) . 

و هنا أتسائل .. نعم هذه الفترة أخرجت .. زويل ، مجدى يعقوب و قد نضيف  نجيب محفوظ ..و لكن هل حازوا مجدهم .. إلا باللجوء الي أماكن .. كانت قادرة علي تطوير مواهبهم ..و تثمين جهدهم .

امريكا التي حصلت علي جائزة نوبل و ليست مصر .. و إنجلترا التي جعلت الدكتور مجدى (سير ).. و نوبل هي التي صعدت بمحفوظ إلي مراتب العظماء .. و ليست بلدنا الراكدة التابعة أو تعليمها أو نظامها .

 لقد تعلمت في هذه الفترة التي يتحدث عنها  الصديق طارق عجلان ..  و أعترف أنني لا اذكر أى من تلك الدروس و لم استخدمها في حياتي ..و لم توسع افقي الفكرى .. كل ما إكتسبته بعد ذلك  كان من جهد  تثقيف ذاتي .. حتي فيما .. يختص بفنيات العمل 

 صدقني .. حتي زمن تخرجي من كلية الهندسة لم أكن أعرف مكونات المجموعة الشمسية أو ماهية  المجرة التي تضمنا ..
 أو أسباب زرقة السماء و البحر .. او ما يتصل بالثورات الكبرى .. او تاريخ بلدنا و منطقتنا .. أو الإنتاج الفني العالمي .

لقد كنت مسطحا .. حفظت بعض النظريات المتبقية من أرشميدس ..و جاليليو ..و جاوس .. و توقفت .. لا أعرف ماهية النسبية أو الكوانتم .. أو الفلسفات القديمة و  الحديثة أو أهم الفنانين و الموسيقين العالمين و أستمتع بأعمالهم .. 

 و أعتقد أنه أيضا كان هذا حال زويل و مجدى يعقوب ..و كل الرموز التي نشير إليها ونقول كانوا مصريين في يوم ما .

نحن لازلنا نحبو .. لم نغادر متاهات العثمانية .. لم نخرج من دوائر جهل فاشيستية القرن الثامن عشر  .. رغم الأف المدارس و الجامعات ..و الخريجين .. اللي متعلموش حاجة ...و إلا تقدر تسمي لي كاتب أو فنان أو مفكر مثل  صنع الله ابراهيم و

 إدريس
 .. او السجيني ..او  سلامة موسي ..نحن أصبحنا متخصصين في إنتاج ( تشاكي ) ، ( بنوكيو ) ، ( جيكل و هايد )  ..دمي  تثير الرعب و الخوف بين الناس .. بلا نيلة