النبوّة بين القراءة الكتابية والتوظيف الأيديولوجي: نقد القراءة الكاريزماتيّة المعاصرة
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الأزمات العالمية من حروبٍ وتوتراتٍ جيوسياسية وأزماتٍ بيئية وأوبئة، انتشرت في بعض الأوساط الإنجيلية الكاريزماتيّة الأمريكيّة قراءةٌ للنبوّات الكتابيّة ترى في الأحداث السياسية المعاصرة تحقيقًا مباشرًا لنصوص الكتاب المقدّس، ولا سيّما نصوص الأسفار النبوية وسفر الرؤيا. وتذهب هذه القراءة أحيانًا إلى تفسير الصراعات الجيوسياسية ضمن إطار إسخاتولوجي مباشر، بحيث تُفهم الوقائع التاريخية على أنها علامات محددة لنهاية الأزمنة.
وقد لاحظتْ دراساتٌ حديثة في علم الاجتماع الدينيّ أنّ هذا الاتّجاه يرتبط في بعض السياقات "بتسييس الخطاب النبويّ"، كما ظهر في الولايات المتحدة في العلاقة بين بعض التيّارات "الإنجيلية الكاريزماتيّة" والسلطة السياسية، حيث تُقرأ الشخصيّات السياسية أحيانًا ضمن نماذج كتابية، كما حدث في تفسير بعض الوعّاظ لشخصية دونالد ترامب بوصفه نظيرًا حديثًا للملك الفارسيّ قورش.
غير أن هذه القراءة للنبوّة تتعارض مع الفهم الكتابي واللاهوتيّ الكاثوليكيّ والأرثوذكسيّ لطبيعة الخطاب النبويّ. فالنبوّة في الكتاب المقدّس لا تهدف أساسًا إلى تقديم مخطط زمني للأحداث المستقبلية، بل إلى تفسير الحاضر في ضوء كلمة الله ودعوة الإنسان إلى التوبة. النبوّة إذًا وصف للواقع وما سيترتّب عليه إن استمرّ الشعب في طريقه بعيدًا عن التوبة.
وقد أبرز عالم العهد القديم اللوثريّ جيرهارد فون راد أنّ النبوّة عند بني إسرائيل لم تكن شكلًا من أشكال التنبّؤ بالمستقبل، بل كانت قبل كل شيء تفسيرًا لاهوتيًا للتاريخ. فالأنبياء لا يقدّمون تنبؤات تفصيلية بقدر ما يعلنون معنى الأحداث في ضوء علاقة الشعب بالله.
ويؤكد المفسر الكتابي الفرنسيّ پول بوشامب الفكرة نفسها عندما يميّز بين طريقتين يظهر فيهما عمل الله في التاريخ: النبوّة والحكمة. فالنبوّة ليست استشرافًا آليًا للمستقبل، بل قراءة روحية لمسار التاريخ، تساعد المؤمن على إدراك المعنى اللاهوتي للأحداث في ذلك العصر. ويتّضح هذا الفهم في نصوص الكتاب المقدس نفسها. فمثال النبي يونان يكشف بوضوح الطبيعة غير الحتمية للنبوّة. فإعلان خراب نينوى لم يكن إعلان مصير محتوم، بل إنذارًا أخلاقيًّا مرتبطًا بتوبة الشعب. وعندما تاب أهل المدينة تغيّر مسار الحدث. وهذا يبيّن أن النبوّة الكتابية ليست إعلان قدرٍ محتوم، بل دعوة إلى تغيير التاريخ بالتوبة.
من هذا المنظور، فإن قراءة النبوّات بحسبانها مخطّطًا زمنيًا دقيقًا للأحداث السياسية المعاصرة وأنّه سيتحقّق تمثل سوء فهم لطبيعة الأدب النبويّ في الكتاب المقدّس. وقد بيّن الفيلسوف واللاهوتي البروتستانتيّ پول ريكور أن اللغة النبويّة هي لغةٌ رمزية تهدف إلى كشف المعنى العميق للتاريخ، لا إلى تقديم وصفٍ حرفي للمستقبل. فالرمز النبوي يفتح أفقًا للتأويل، لا جدولًا زمنيًا للأحداث.
يجب إذًا الحذر من تحويل النصوص الكتابية إلى أدوات أيديولوجية في الصراعات السياسية. فالكتاب المقدس لا يقدّم برنامجًا سياسيًا مباشرًا بل يدعو الكنيسة إلى قراءة التاريخ في ضوء الإنجيل، لا إلى استخدامه لتبرير مشاريع السلطة. إن هذا التمييز أساسي لفهم وظيفة النبوّة في التقليد المسيحي. فالأنبياء لا يعلنون الكوارث بوصفها مصيرًا محتومًا، بل يعلنون إمكانيّة التحوّل. ولذلك فإن البعد النبوي في الكتاب المقدس مرتبط دائمًا بالرجاء.
ويبلغ هذا البعد ذروته في العهد الجديد، حيث تتجه النبوّة كلها نحو شخص المسيح. فالرسول بولس يلخّص غاية الوحي بقوله: «إن الله في المسيح كان يصالح العالم مع نفسه» (٢ كورنثوس ٥: ١٩). وبذلك تتحول النبوّة من خطاب عن الكارثة إلى خطاب عن المصالحة والخلاص. ومن هنا فإن القراءة المسيحية للنبوّة لا تقوم على البحث عن علامات نهاية العالم في كل حدث سياسي، بل على قراءة التاريخ في ضوء عمل الله الذي يقود العالم نحو اكتماله في المسيح.
وعليه، فإن الاستخدام المعاصر للنصوص النبوية في تفسير الصراعات الجيوسياسية أو في دعم مشاريع سياسية معيّنة لا يمثل امتدادًا للفهم الكتابي للنبوّة، لكنّه يعكس توظيفًا أيديولوجيًا للنصوص الدينية. فالنبوّة الكتابية ليست إعلانًا لكارثة حتمية، بل دعوة إلى التوبة والرجاء وإعادة قراءة التاريخ في ضوء وعد الله.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى...
الإبرة المصدّيّة
André Gagné, Ces évangéliques derrière Trump, Labor et Fides, 2020.
Gerhard von Rad, Old Testament Theology, SCM Press, 1962.
Paul Beauchamp, L’un et l’autre Testament, Seuil, 1976.
Paul Ricœur, La symbolique du mal, Aubier, 1960.





