بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقُول الكتاب المُقدس: بل البسُوا الرّب يسُوع المسيح، ولا تصنعُوا تدبيراً للجسد لأجل الشهُوات، ومَن الذي يُوضع في يده الخاتم، والحذاء في رجليه سُوى الابن الضال؟! (لو22:15؛ رو14:13).. 

تحدث التجارب بحسد من الشياطين، وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الرُوحية لأن الإنسان في الصوم يحاول أن يسلك سلوكاً رُوحياً، والشيطان أيضاً يستعد لمقاتلته، أي الاستعداد متبادل من جانب الإنسان للنمو ومن جانب الشيطان لإسقاطه، لذلك إن حلت بك التجارب لا تحزن فهذا دليل على أن صومك مقبُول وقد أزعج الشيطان..

التجربة الأولى: كانت قائمة على فكرة الطعام، وهكذا كُلنا نتعرض له، وهي الحرب التي أراد المسيح أن يُقدم ذاته نمُوذجاً لنا لكي نعرف أن نواجه عندما الإنسان تقسو عليه الحياة، ويكون جائعاً هُو وأولاده، هل أنا في هذا الموقف أبيع مسيحي في سبيل لقمة العيش؟

في هذه التجربة رد السيد المسيح عليها لكي يُعلّمنا أن نعرف أن نرد على هذه الحرب، قال له: ليس بالخُبز وحده يحيا الإنسان بل بكُل كلمة تخرج من فم الله، يقُول الشيطان للسيد المسيح: إن كُنت ابن الله، فقل لهذه الحجارة أن تصير خُبزاً، عبارة: إن كُنت ابن الله؟!!

هذه هي مهمة الشيطان معنا التشكيك، الشك في الله وفي قدرته، الشك في مواعيد الله، الشك في الكتاب عندما يجد الإنسان أشياء لا يقدر أن يفهمها يقُول له أين الله؟ في الضيقات يُشكّكه في المواعيد الإلهية، وفي الوجُود الإلهي، وخصُوصاً عندما يرى الإنسان الشرّ منتشراً ويجد الأشرار يبدُو أنهُم ناجحُون وموفقُون فيشك في كُل القيم..

وهُنا الرّب يُعطينا المثل في التجربة التي يتعرض لها الإنسان عندما يُحاربه الشيطان فيما يتصل بالطعام والشراب، قال مكتوب: ليس بالخُبز وحده يحيا الإنسان بل بكُل كلمة تخرج من فم الله..

عندما نتأمل هذه العبارة، تعني أنه أنت يا إنسان رُوح وجسد..

حقاً إن الجسد يحتاج للطعام كذلك رُوحك أيضاً، لأنك تعيش بالرُوح والجسد، فكيف تكتفي بطعام الجسد؟ رُوحك أيضاً تحتاج تغذية، ومن هُنا فكرة الصوم، في الصوم الجسد لا يأكل لكن الرُوح تأخذ الطعام الرُوحاني، تأملات وصلوات وعبادات، ففكرة الصوم تثبّت نظرنا نحو مطالب الرُوح، فليس هُناك شبع للرُوح إلا في الله كما قال القديس أوغسطينُوس:
يا إلهي إن النفس تظل قلقة، ولن تجد الراحة إلا فيك..

عندما جاء إبليس إلى السيد المسيح ليُجربه، قبل التجربة ولم يرفضها، إذن التجربة مقصُودة، لذلك لا يصح نحنُ أن نرفض التجربة، حقاً نقول في الصلاة الربانية: لا تُدخلنا في تجربة، لكن السيد المسيح كقائد لمسيرتنا أراد أن يكون النمُوذج والمثل لكي نتعلّم منه، لقد صار لنا مثالاً لكي نقتدي بخطواته، قبل التجربة ولم يرفضها..

التجربة الثانية: وهي من نوع أخر، والرّب يقدم ذاته نموذجاً لأننا كُلنا نتعرض لهذه التجربة، قال له: إن كُنت ابن الله ارمي نفسك من فوق إلى أسفل لأنه مكتوب يوصى ملائكته بك ليحفظوك في سائر طرقك، وعلى أيديهُم يحملونك لئلا تعثر بحجر رجلك (مز90)..

أتاه بآية من الكتاب المُقدس: أرمي نفسك..

وهذه هي الطريقة التي يُحاربنا بها الشيطان، يأتي له بتجربة مغلفة ومؤيدة بأسانيد من الكتاب، والسيد المسيح يقول له: مكتوب لا تجرب الرّب إلهك، وكثيراً ما نتعرض لهذه التجربة، فنتخطى قوانين الطبيعة، ونقول: ماذا يحدث عندما أدخن أو أشرب الخمر وأمشي في طريق الفساد؟

الله أعطاني مواعيد أنه يوصي ملائكته بيّ، ويسند الإنسان على مواعيده، وإن لم يعطه الله ما يُريد يغضب ويجدف على الله، أو يسبب الإنسان لنفسه المرض ثم يُصلّي ويقول: يارّب اشفني، وإن تأخر الله في الطلب يغضب، ولا يعلم أن الله لم يصبه بالمرض، إنما لأن الناس غلب عليهُم تفكير القدرية، فيقول: الله ابتلاني بالمرض، لا الله لا يأتي بالمرض أبداً، لكن أنا الذي أسبب المرض لنفسي، أو الآخرُون يصيبوني بالمرض..

عندما يتخطى الإنسان قانُون الطبيعة، فمثلاً جسمك يكُون دافئاً وتخرج في الهواء، فإذا أصبت بزكام أو بالتهاب رئوي، لا تقل إن الله أصابك بالزكام، بل أنت تخطيت قانُون الطبيعة وتقُول: الله يسترها..

الله يُريد أن يُعلمك درساً أن لا تدُوس بقدميك القوانين الطبيعية، ولابد أن تتوقع ما حدث، فإذا مرضت تقول: أنا مستحق، ولا تقول الله ابتلاني، وتقول: لماذا أنا صلّيت، والله لم يستجب لي؟! 

هُناك كثير من الأسباب التي عندما يتجاهلها الإنسان يحصد نتيجة هذا التجاهل، لأن ما يزرعه الإنسان إياه يحصده أيضاً..

يقول: ارمي نفسك من فوق، ماذا يحدث لك؟ سيوصي ملائكته بك..

لا، يوصي ملائكته بك، عندما يكُون غيرك رماك، هُنا الله يتدخل، لكن عندما ترمي نفسك لابد أن تقع، الثلاثة فتية الذين في أتون النار لماذا نجوا؟ لأن غيرهُم هُم الذين رمُوهم، لكن لو كانوا هُم رموا أنفُسهُم في أتون النار كان لابد أن يحترقوا، هذا هُو القانون: مَن يضع ناراً في حضنه ولا تحترق ثيابه، مَن يمشي على الجمر ولا تكتوى رجلاه..

والرّب يُصحّح تفكيرنا عندما نحاول أن نعتمد على آيات الكتاب المُقدس، لكي نتّنصل من المسئولية، ونهرب من الشعُور بالالتزام، والخضُوع للقوانين الطبيعية، فيقول لك: لا تجرب الرّب إلهك..

التجربة الثالثة: أخذه إلى جبل شاهق وأراه كُل ممالك المسكونة، وقال له: أعطيك هذه كُلها إن خررت وسجدت لي!! الشيطان بالغرور والكبرياء يقول للمسيح أعطيك، لماذا؟ لأنه هُو رئيس هذا العالم، والمسيح يقول عنه رئيس هذا العالم، له حقّ الملكية (يو30:14)..

يقول: أراه كُل ممالك المسكونة، كيف يريه كُل هذه الممالك في لحظة واحدة من الزمان، هذه قدرة رُوحية خارجة عن مفهُومنا نحنُ الذين في الجسد، للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد (تث4:6)..

هذه التجربة معناها تعظم المعيشة، أي أن الإنسان يميل أن يكون عنده سُلطان، أو يأخذ المراكز القيادية، ورغبة الإنسان في الرئاسة، أو يحكم الآخرين ويتحكم فيهم، وهذه رغبة موجودة في الإنسان دائماً باستمرار، لا يقنع بدرجته بل يطلب الدرجة الأعلى لكي يصير بها سيداً، هذا ما يسميه الكتاب المُقدس تعظم المعيشة، وكُل ما في العالم:

شهوة الجسد، شهوة العيون، تعظم المعيشة..

أحياناً واحد يترقى نظراً لكفاءته، لأنه أنسب من غيره لكي يقُود آخرين، لكن هُناك أشخاصاً يسعُون لهذا، وإن لم يصلوا يحزنُوا ويكونُوا مهمُومين، وهُنا الرّب يقول له: مكتُوب للرّب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد..

الإنسان أحياناً في سبيل أنه يصل إلى المراكز القيادية يخضع نفسه للشيطان بأساليب مُختلفة، فيذهب للسحرة لكي يصل إلى ما يُريد، وفي بعض الأحيان يذل نفسه لصاحب السُلطان لكي يرفعه، وقد يتنكر لمبادئه وقد يغير عقيدته لكي يتملق الرئيس، هذا هُو الخضُوع..

إن خررت وسجدت لي، هذا الإنسان الذي يتنكر لمبادئه، الذي يخضع لغير الله، وينافق الرُؤساء على حساب مبادئه، بالضبط هُو في الحقيقة أخضع نفسه للشيطان بعينه وسجد له..

نلاحظ أن في تصرف السيد المسيح، وهُو أنه مع قُدرته على أن يصنع المعجزات، لم يصنع معجزة واحدة لنفسه، أي لم يستغل المسيح قُدرته اللاهوتية لكي يعمل شيئاً يعُود عليه شخصياً، فنراه رفض أن يحول الحجارة إلى خُبز مع قدرته على هذا، ليس فقط من أجل التخفية، ولكن أيضاً لكي يرسم أمامنا الطريق، أن المواهب والقُدرات التي عند الإنسان، عندما يكون إنسان الله حقاً سائراً في طريق السماء..

الإنسان الأكمل والأمثل هُو الذي لا يحاول أن يستغل قدراته من أجل الدفاع عن نفسه، لكن الإنسان الأكمل لطريق السماء، هُو الذي يستغل قدراته وإمكاناته، وإمكانياته لخدمة الآخرين..

إذن هذه التجربة التي تعرض لها السيد المسيح كنمُوذج أمامنا، هي تجري أمامنا في تجاربنا في الزمن الحاضر، ومن الحكمة أننا في أيام الصوم الكبير نُصحّح أفكارنا، ونُراجع أنفسنا، ونُمارس التوبة اليومية في هذا الوقت الذي فيه نتعبد لإلهنا في هذا الصوم..

حقاً أن الشيطان مُجرب ضعيف، هل يستطيع مَن لا يملك أن يُعطي أو يختبر وهُو لا يملك؟ إنه ضعيف يشبه النملة التي تقف لتهز جبل، أو مَن وقف لينفخ في قرص الشمس ليطفئه، ومع كُل هذا احتمله الرّب، فيجب علينا نحنُ الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء..

أن الكلام المُخيف هُو كلام الله الذي يحرق إبليس، لأن كلمة الله حيّة وفعالة وأمضى من كُل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والرُوح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته، لهذا يقول الكتاب: ألبسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس.. (أف10:6-18؛ عب12:4)..

العالم زائل كما نشاهد في التاريخ، لا بالسجود لإبليس وجنوده، كما طلب ويطلب دائماً منا أن نسجد له من أجل مطالب عالمية تزول، إنما الالتصاق بالله، والإيمان به نستطيع أن نغلب وننتصر، فالرّب مُخيف بالنسبة لعدو الخير، مُخيف هُو الوقوع في يدي الله الحيّ..

حقاً كانت لحظات مُخيفة وصعبة تلك التي قضاها إبليس مُجرباً لمَن خلق الكون، وجاء لكي يُخلّصنا، ويفدينا، ويُحرّرنا.. 

ثُم تركه إبليس، وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه (مت11:4)..

إنها لحظة المُكاشفة تلك التي جعلت ذلك المُجرب ينحصر وينهزم ويعرف نفسه، فهُو قد جاء مُطمئناً واثقاً إنه كما فعل بآدم الأول في جنة عدن وكسره وأخرجه منها، سيفعل بآدم الثاني في البرية.. 

لا يدري أنه ذهب إلى مَن جاء ليُصحح صورتنا الأولى، ويرجع بنا إلى هيبتنا ورتبتنا الأولى، لذلك كان يظن إنه يناور ويخادع، ولا يوجد مَن يقف أمامه، ومن هُنا كان سقوطه عظيماً..

لقد خسر المعركة في مواقعها الثلاث، خسر أمام مصدر الثقة والإيمان، وخرج من ساحة البرية يجر أذيال الخيبة والانكسار مهزُوماً أمام آدم الثاني، فيجب علينا ونحنُ في بداية الصوم أن نتسلح بالإيمان، ونثق أن لنا الغلبة في مُخلّصنا الذي صام عنا، والذي دخل ميدان الحرب بديلاً لنا، وكسر شوكة إبليس، وكشف أغراضه ومزاعمه، فانحسر وفر هارباً من أمامه مُهاناً مُنكسراً، ونقول: يعظم انتصارنا بالذي أحبنا..