بقلم الأب يسطس الأورشليمى
طلب الأب من ابنه الشاب أن ينزلا معاً إلى الحديقة، ليبذرا بعض بذُور الزهُور، ويغرسا بعض الشتلات في حديقة منزلهما الجديد، قال الابن لأبيه لازال يُوجد بعض الأعشاب في الأرض، بالرغم من أننا حرثناها وقمنا بتنقيتها من كُل عشب وزوان، وأنا أخشى أن يضيع جهدنا هباءً في البذر والغرس، قال الأب: مادامت الأرض بلا زراعة حتماً سيظهر الزوان مرة ومرات، لذلك يجب أن نزرعها، فتنمُو النباتات والشجيرات، ويظهر معها بعض الزوان ونحاول اقتلاعها، ومع الزمن نجد أن: الشجيرات والنباتات تكتسح الزوان، حتى يكاد لا يُوجد ويختفي بالتدريج..

هكذا في حياتنا الرُوحية، إن ركزنا على السلبيات وحدها، بمحاولة اقتلاع الشرّ حتماً لن يُنتزع تماماً، لكن لنبدأ بالرُوح القُدس في الإيجابيات بعمل الخير، وممارسة الحياة الفاضلة في الرّب، فيُبددّ النُور الظلام، ويملك مسيحنا على القلب، ولا يكُون للخطية موضع فيه.. 

يركز الكثير من الشباب على السلبيات مما يُحطم نفسيتهُم، ويشعرُوا بالعجز التام عن التمتع بالنقاوة والطهارة، لكن عوض البكاء المُستمر، على رائحة الخطية النتنة، فلنقترب من رائحة المسيح الذكية القادرة أن ترفعنا إلى السماوات عوض سقُوطنا في وحل العالم الفاسد، كثيراً ما نحمل اسم الرّب يسُوع، دُون سكناه في قلُوبنا، لنحمل اسم الذي هُو أبرع جمالاً من البشر، ولنكن شركاء حقيقيين في هذا المُوكب الصاعد إلى السماء، لنستقر في حضن الآب السماوي..

ليتك تُباركني وتوسع تخومي، وتكون يدك معي وتحفظني من الشرّ حتى لا يتعبني، ليتك تُعطيني قلباً نقياً تحفظه غير ملوث بشهوة أو فكر يُبغضك، ليتك تنشلني من أرض الخطر وحقول الخطية..

ليتك تذكرني وتسمعني صوتك الجميل ... ليتك تنجني من المخاطر.. ليتك تأتي بيّ بأمان إلى ملكوتك وسماك..

هُناك فرق بين تجربة الشيطان لآدم، وتجربته للمسيح:
الإنسان الأول كسر وصية الله، أما المسيح فتمسك بالمكتوب..

آدم بسقوطه أدخل الموت إلى العالم، أما المسيح ففدى البشرية..

بدأت تجربة الشيطان لآدم بأن أغراه بالأكل، وهكذا فعل مع المسيح، غير أن آدم أكل وسمع للشيطان وهُو غير جائع في الجنة، أما المسيح فرفض الأكل وهُو في قمة الجوع في البرية..

ليس بالخُبز وحده يحيا الإنسان بل بكُل كلمة تخرج من فم الله..

هذه الآية اقتبسها المسيح من (تث3:8) وهي تُعلّمنا:
أن الآباء والأمهات لا يكتفوا فقط بغذاء، وإطعام أطفالهُم وتربية الأجساد بل يهتمُوا بحياتهُم الرُوحية ويربطوهُم بالكنيسة..

كثيرُون يشغلون أنفُسهُم طوال الأسبوع وطول اليوم بأعمال لجمع المال ويحرمُون أنفُسهُم من الاجتماعات الرُوحية، والقداسات الإلهية، إلى كُل هُؤلاء وأولئك يقول المسيح: ليس بالخُبز وحده يحيا الإنسان..

تحدث التجارب بحسد من الشياطين، وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الرُوحية لأن الإنسان في الصوم يحاول أن يسلك سلوكاً رُوحياً، والشيطان أيضاً يستعد لمقاتلته، أي الاستعداد متبادل من جانب الإنسان للنمو ومن جانب الشيطان لإسقاطه، لذلك إن حلت بك التجارب لا تحزن فهذا دليل على أن صومك مقبول وقد أزعج الشيطان..

الله ليس ضدنا بسبب خطايانا، لكنه معنا ضد خطايانا..
الله ينتظر رجُوعنا وتوبتنا، ولا يحتمل دمُوعنا وانسحاقنا..
ماذا يخيفني من هذه الحياة؟! 

رحلتي طويلة وشاقة ومُخيفة، لكن أنت يارّب قائدها، ضعفي عظيم، وعدوي قوي، وقد قلت لي: تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكمل، فبكل سرور أفتخر بالحريّ في ضعفاتي، لكي تحلّ علىّ قوة المسيح، لأني حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قويّ، راجع (2كو8:12-10)، إني أختفي فيك أيها الغالب القوي، يتركني الجميع لكنك تدعوني باسمي، تحملني على منكبيك، تقودني في النهار وتُضيء لي الليل!!

إلهي، لا تدخلني في تجرّبة، بل أحفظني فأنت تعرف ضعفي وعجزي ولا تسمح لي بفرصة تميل بقلبي إلى الضعف، لتكن حصن حياتي وملجأي أحفظ قلبي وكُل حواسي، إني أعجب ممن يتجاهلُون وجُودك ويُريدُون أن يرُوك فيُؤمنُوا بك، أراك في كُل يوم تُعلن ذاتك لي، فأنت قائد حياتي تقُودها برُوحك القدُوس الناري، أنت الحكمة وواهب الفهم، لأن الله لم يُعطنا رُوح الفشل، بل رُوح القُوة، والمحّبة، والنُصح (2تي7:1)..

ضع الله بينك وبين المشكلة، فتزول المشكلة ويبقى الله..

قال أحد القديسين: أن كلمة الله تُشبه الأسد الذي لا يحتاج لمُدافع عنه فقط أطلق له العنان، وهُو سيدافع عن نفسه بكُل سهُولة..

واذكر قصة السائح الذي قام بزيارة متحف فلورنس للفن، ولم تعجبه اللُوحات الفنية المعرُوضة، فتساءل: هل هذه هي تُحفكُم؟! 

أنا لا أرى فيها أي شيء من الجمال، فأجابه أمين المتحف: الجمال لا يكمُن في اللوحات، وإنما في الأشخاص الذين يتأملُونها.. 

قال أحدهُم: في هذا الصباح انتقلت من الظُلمة إلى نُوره العجيب، ومن المُوت إلى الحياة عندما نظرت إلى المسيح، تخلّصت من البُؤس والشقاء وعشت في فرح عجيب، نظرت إليه ونظر هُو إليّ، ومنذ ذلك الحين أتحدت به إلى الأبد، التفتُوا إليّ واخلُصُوا يا جميع أقاصي الأرض لأنيّ أنا الله وليس آخر (إش22:45)، فهل المسيح هُو مركز وأساس حياتك، ربما تكُون قد رفعت صلُوات باسمه، ولكنك أبعدته عن حياتك؟!

قال أحد القديسين: الكتاب عندي هُو الكامل والشامل والوحيد وفي كُل مرة أفتحه أجد يسُوع في كتابي، وهُو يستجيبني في كُل كلمة وكُل عمل أعمله، فُوجه الله قبل أي وجه، وكتاب الله قبل أي كتاب ففي كلماته الغفران، والتعزية، والسلام، لأنه رئيس السلام ومُعطيه..

الكتاب المُقدس يُقدم لنا الصيدلية المليئة بالفيتامينات المُقوية المُنعشة المُعزية لأرُواحنا، ونفُوسنا، وأجسادنا (1تي23:5)..

هل أنت خائف؟! يقُول: لا تخف لأني معك (إش10:41)..

هل أنت مريض؟! يقُول: إنيّ أنا الرّب شافيك (خر 26:15)..

هل أنت حزين؟! يقُول: أنا، أنا هُو مُعزّيكُم (إش12:51)..

هل أنت في همّ وغمّ ؟! ألق على الرّب همّك، وهو يعُولك (مز55)..

هل أنت في قلق؟! يقُول: لا تضطرب قُلُوبكُم ولا ترهب (يو27:14)..  

هل تشعر بتعب؟! يقُول الرّب: تعالوا إلىّ يا جميع المُتعبين، والثقيلي الأحمال، وأنا أريحُكم، احملُوا نيري عليكم وتعلمُوا مني، لأني وديعٌ ومُتواضع القلب، فتجدُوا راحة لنُفوسكُم، لأن نيري هينٌ وحملي خفيفٌ.. 

راجع الكتاب المُقدس (مت28:11-30)..