الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

٦٥. الطابع الرعويّ للسلطة الأسقفيّة
تتداخل وظائف التعليم والتقديس والتدبير تداخلًا وثيقًا. وباتّباع مثال الراعي الصالح، يتوجّه مجمل خدمة الأسقف إلى خدمة الله والرعيّة. ولكي يتمّم الأسقف رسالته، يعلّم وينصح ويقنع؛ لكن يلزمه أيضًا أن يمارس سلطته وقدرته المقدّسة متى اقتضى الأمرُ ذلك لبنيان المؤمنين. فالممارسة السليمة للاختصاص القضائي هي، هي نفسها، عملٌ رعويّ، لأنّ القانون الكنسيّ في الكنيسة يقوم في خدمة نظامٍ عادل تنمو فيه المحبّة والنعمة والمواهب الكاريزميّة في انسجام.

وعند معالجة القضايا واتّخاذ القرارات، يظلّ «خلاص النفوس» الشريعة العليا التي لا تقبل استثناءً. ووفاءً لهذا المبدأ، يمارس الأسقف سلطانه على نحوٍ يقبله الشعب عنايةً أبويّة لا نيرًا ضاغطًا: فيرشد رعيّته إرشادًا حيًّا متّزنًا، من غير أن يفرض أثقالًا لا ضرورة لها يصعب حملها (راجع متّى ٢٣: ٤)، بل يطلب فقط ما يضعه المسيح وكنيسته، وما يلزم حقًّا، أو ما يعين على صون روابط المحبّة والشركة صونًا خاصًّا.

ويزن الأسقف كلّ الأمور بحكمةٍ ورويّة، وفق تلك الحكمة القانونيّة المتوازنة الملازمة لترتيب الكنيسة كلّه، واضعًا الإنسان في الحسبان، إذ يلزم أن يقوده في كلّ حال إلى خيره الفائق الطبيعة، مع مراعاة الخير العامّ للكنيسة أيضًا. وبروحٍ رحيمٍ لطيفٍ مع ثباتٍ، يعلو الأسقف فوق المصالح الشخصيّة، ويتجنّب العجلة المفرطة والذهنيّة الفئويّة، ويحرص على الإصغاء إلى الأطراف المعنيّة قبل إصدار حكمٍ في أفعالهم.

٦٦. البُعد الخدميّ للسلطة الأسقفيّة
 يتذكّر الأسقف أنّه خدمةٌ، عند ممارسة سلطته الأسقفيّة، وأنّ «هذه الوظيفة التي ائتمن الربّ عليها رعاة شعبه هي، بالمعنى الدقيق للكلمة، خدمة، ويسمّيها الكتاب المقدّس على نحوٍ بليغ “دياكونيا”، أي خدمة (راجع أع 1: 17، 25؛ 21: 19؛ رو 11: 13؛ 1 تيم 1: 12)».

وإذ يعي الأسقف أنّه ليس أبًا ورئيسًا للكنيسة الخاصّة فقط، بل أخٌ في المسيح وعضوٌ في جماعة المؤمنين، لا يتصرّف كأنّه فوق القانون، بل يلتزم قاعدة العدل نفسها التي يطبّقها على غيره. وبمقتضى البُعد الشمّاسيّ في وظيفته، يتجنّب الأسقف التسلّط في استعمال سلطانه، ويتهيّأ للإصغاء إلى المؤمنين وطلب تعاونهم ومشورتهم من خلال القنوات والبُنى التي يقيمها النظام القانوني.

يوجد تفاعلٌ حقيقيّ -يمكن تشبيهه بـ«الشركة المتبادلة داخل الثالوث» (perichoresis)- بين الأسقف والمؤمنين. فالمؤمنون، بفضل المعموديّة، يتحمّلون مسؤوليّة بنيان جسد المسيح، ومن ثمّ خير الكنيسة الخاصّة. أمّا الأسقف، إذ يجمع البصائر التي تبرز من هذا الجزء من شعب الله الموكول إليه، يقترح بسلطانٍ ما يعين كلّ شخص على تحقيق دعوته الحقّة.

يعترف الأسقف بالتنوّع الكبير بين المؤمنين ويقبله: تنوّع الدعوات والمواهب. فيحذر أن يفرض تماثلًا جامدًا، ويتجنّب القيود غير المفيدة أو التدابير التسلّطيّة. وهذا لا يلغي ممارسة سلطانه، بل يفترضها، مع النصح والحثّ، حتّى يحترم الجميع أدوارَ بعضهم بعضًا، وتنتظم أعمالهم على وجهٍ صحيح نحو الخير العامّ.

 مجمع الأساقفة: دليل الخدمة الرعويّة للأساقفة «خلفاء الرسل»، الڤاتيكان ٢٠٠٤.