الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
لماذا يتوحّد الأصوليّون، على اختلاف مشاربهم الدينيّة، على تحقير المرأة؟
حين نعود إلى «البدء»، إلى سفر التكوين نفسه، تسقط أوّل سرديّة أصوليّة. فالنصّ لا يقول إنّ الرجل صورة الله، والمرأة ظلّ له، بل يقول بوضوح: «خلق اللهُ الإنسان على صورته… ذكرًا وأنثى خلقهم» (تك ١: ٢٧). ويعلّق القدّيس البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته كرامة المرأة (فقرة ٦) قائلًا: «المرأة والرجل هما، في الدرجة نفسها، مخلوقان على صورة الله… وكلاهما شخص».
إذًا، من أين جاء خطاب الانتقاص؟
في رواية «الضلع» (تك ٢)، لا تُخلَق المرأة كائنًا ثانويًّا، بل كـ«أنا» آخر. ويكتب البابا: «المرأة هي “أنا” آخر في إنسانيّة مشتركة… ومنذ البدء يظهران كوحدة الاثنين» (المرجع نفسه، فقرة ٧).
و«وحدة الاثنين» تعني علاقة شركة، لا تبعيّة، ولا دونيّة. الأصوليّة، في نسخها الدينيّة المتعدّدة، تختزل النصّ في قراءة سلطويّة: الرجل أصل، والمرأة تابع. أمّا القراءة اللاهوتيّة الكنسيّة الأصيلة فتقول إنّ الإنسان لا يكتمل إلّا في العلاقة. والاختلاف ليس مبرّرًا للهيمنة، بل دعوة إلى التكامل. لذلك يؤكّد يوحنّا بولس الثاني: «كون الإنسان على صورة الله يعني أنّه مدعوّ إلى أن يوجد للآخر، وأن يصير عطيّة» (فقرة ٧).
والعطيّة لا تُهان، ولا تُستَحقر، ولا تُستَخدَم.
لماذا يتوحّد الأصوليّون إذًا على تحقير المرأة؟
لأنّ الاعتراف بكرامتها يهزّ بنية السلطة الذكوريّة، ولا يمكن فصل الأصوليّة عن الهيمنة الذكوريّة. ولأنّ مفهوم «وحدة الاثنين» تُسقط وَهْم التفوّق الذكوريّ الأحاديّ. ولأنّ صورة الله، إن طُبعتْ في المرأة كما في الرجل، تجعل أيّ تمييزٍ قهريّ إنكارًا لاهوتيًّا مقنَّعًا. والمفارقة أنّ النصّ الذي يُستَعمل لإخضاع المرأة هو النصّ عينه الذي يعلن مساواتها الجوهريّة. إذا كانت المرأة صورة الله، فكلّ تحقير لها تحقيرٌ للصورة. وكلّ تحقير للصورة، طعنٌ في الخالق.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى...





