بقلم نادر شكري
يشهد العالم مرحلة شديدة الاضطراب، وسط تصاعد غير مسبوق في حدة الصراعات الإقليمية والدولية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل المنطقة والعالم بأسره. فاستمرار الحرب، في ظل العناد والكبرياء السياسي والعسكري من مختلف الأطراف، ينذر بمزيد من الألم والخسائر التي لن تقتصر على حدود الدول المتصارعة، بل ستمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي واستقرار الطاقة.
إغلاق مضيق هرمز — إن استمر — مع أي تعطّل في إمدادات الغاز، يضع أوروبا والعالم أمام احتمالات أزمة طاقة حادة خلال أيام قليلة، وهو ما يعكس خطورة تداخل الجغرافيا السياسية مع المصالح الاقتصادية العالمية. فالممرات المائية وموارد الطاقة لم تعد مجرد أوراق ضغط، بل أصبحت أدوات حاسمة في معادلة الصراع.
المشهد يتسع كذلك مع دخول أطراف دولية على خط المواجهة، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الاصطفاف العلني. ومع تزايد الحديث عن انخراط قوى كبرى، يقترب المشهد من صيغة صراع واسع النطاق، ولو بشكل غير مباشر، بما يعيد للأذهان أجواء الحروب الكبرى التي يعاد فيها تشكيل خرائط النفوذ.
في قلب هذا المشهد تقف إيران، التي مثلت لسنوات قوة توازن إقليمي رغم الجدل حول نظامها السياسي. سقوطها — إن حدث — لن يكون مجرد تغيير داخلي، بل سيُحدث فراغًا استراتيجيًا يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، قد تجد إسرائيل نفسها في موقع أمني غير مسبوق، خاصة بعد إضعاف أذرع إيران في بعض الساحات الإقليمية.
لكن أي تحول جذري في إيران ستكون له تبعات اقتصادية وسياسية معقدة، سواء على مستوى إعادة توزيع النفوذ أو على مستوى ثروات الدولة ومقدراتها. كما أن دول الخليج قد تواجه تحديات مالية وأمنية متزايدة في حال استمرار الحرب وارتفاع كلفتها.
وسط هذه المتغيرات، تبقى مصر عنصرًا محوريًا في معادلة التوازن الإقليمي. فالتغيرات المحتملة في خريطة القوى قد تضعها أمام ضغوط جديدة، ما يفرض أهمية الحفاظ على قوة الدولة ومؤسساتها. ويبرز هنا دور تحديث القدرات العسكرية خلال السنوات الماضية، إلى جانب انتهاج مسار دبلوماسي متوازن، في تعزيز هامش الحركة الاستراتيجية للدولة المصرية.
غير أن التحدي الأهم يظل داخليًا؛ إذ إن تقوية الجبهة الداخلية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وزيادة الإنتاج وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، تمثل الضمانة الحقيقية للصمود في وجه التحولات الدولية. كما أن تنويع الشراكات الاقتصادية، خاصة مع أفريقيا وشرق آسيا، يعد خطوة ضرورية لتأمين المصالح الوطنية في عالم سريع التغير.
في المحصلة، المنطقة تقف أمام مرحلة قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وبين سيناريوهات التصعيد وسيناريوهات الاحتواء، يبقى الأمل في تغليب الحكمة وتفادي انزلاق العالم إلى مواجهة شاملة. فالسلام، مهما بدا بعيدًا، يظل الخيار الوحيد القادر على حماية الشعوب من كلفة صراعات لا رابح فيها.





