عادل حمودة 

امتصت السياسة كل كمية الأوكسجين في حياة "سيد قطب" فمات اختناقا قبل ان يموت إعداما.
 
لم يشأ أن نتذكر من سيرته الذاتية سوي مشاهدها الأخيرة السيئة المتفجرة التي آثر أن يغلق ستار المسرح عليها بعد ان دعا "الإخوان" الى هدم البلد فوق رؤوسنا.
 
وأصر على ان يكون أسوأ ما كتب هو أهم ما نشر.
 
لم يرق كتاب "معالم في الطريق" الى مستوي كتبه الأخرى مثل "التصوير الفني في القرآن" ومثل "العدالة الاجتماعية في الإسلام.
 
كتاب "معالم في الطريق" كتاب ليس كله جديدا بل أعاد فيه أربعة فصولا من كتابه "في ظلال القرآن" حتى ينشره بسرعة متهما المجتمع بالجاهلية ومحرضا "الإخوان" لينقلبوا عليه ويحررونه من حكم "عبد الناصر" الذي أفرج عنهم ورد اعتبارهم واعادهم الى وظائفهم.
 
كان الكتاب الذي أصبح دستورا للجماعات التكفيرية المسلحة نقطة تحول إضافية في مسيرته الفكرية لكنها لم تكن الأولي.
 
تصور نفسه أديبا مثل "طه حسين" فكتب "طفل القرية" تقليدا لكتاب "الأيام" لكنه لم يلفت النظر إليه بعد ان فقدت كتاباته الإبداعية والشعرية شرطا لا يمكن التساهل فيه وهو الا تكون تأليفا لما سبق تأليفه وشرحا لما انتهي شرحه.
 
جاء تحوله الأول من الكتابة الإبداعية الى الكتابة النقدية وفتحت مجلة "الرسالة" له صفحاتها لينبه إلى الروايات الأولى لكاتب شاب مجهول هو "نجيب محفوظ" الذي اتفق معي فيما بعد على عدم استقرار "سيد قطب" عند حالة نفسية ثابته وانه بانشغاله في السياسة تورط في مؤامرات إجرامية انتقامية شلت موهبته وأجهزت على حياته.
 
في كتاب نجيب محفوظ "المرايا" نتعرف على "سيد قطب" من "عينيه الجاحظتين ونحافة جسده وضعف صحته وحدة ذكائه ومقدرته الفائقة على الجدل وإعجابه بذاته الى حد تدميرها".
 
ولكن المفاجأة الصادمة ان "سيد قطب" على صفحات "الأهرام" دعا في وقت مبكر الى توفير نوادي وشواطئ للعراة في مصر وفزع "محمود عبد الحليم" العضو القيادي في الجماعة مما قرأ وعرض على المرشد الرد عليه ولكن "حسن البنا" رفض وكان رأيه "ان سيد قطب شاب متأثر بالبيئة الغربية وهي التي تغذيه بمثل هذه الأفكار لجذب الإنظار إليه ونشر الرد يحقق له ما يريد" ــ المصدر كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ" الجزء الأول صفحة 190 ــ الناشر "دار الدعوة".
 
ومن الإلحاد ونوادي العراة وحرية الجسد الى التشدد والتطرف ووصف المجتمع بالكفر والدعوة الى أسلمته بحد السيف قبل الدعوة بهداية المصحف.
 
لكن بين المرحلتين المتناقضتين مرحلة وسطية انتقل فيها "سيد قطب" من الكتابات النقدية الى الدراسات الإسلامية بدأها في مجلة "المقتطف" عام 1939 تحت عنوان "التصوير الفني في القرآن" وكشف فيها ما في القرآن "من جمال فني" و"قدرة قادرة على تصور بالألفاظ المجردة ما تعجز عن تصويره الريشة الملونة والعدسة المشخصة".
 
وفى فترة ما من حياته آمن بالليبرالية فلم يتردد في الانضمام الى حزب الوفد وفي تلك الأيام لم يكف عن كتابة المقالات النارية ضد النظام الملكي ولكن بدلا من السجن تلقي دعوة فجائية مريبة لزيارة الولايات المتحدة لدراسة المناهج الدراسية وكان وقتها مدير مكتب وزير المعارف.
 
هناك تلقي صدمات حضارية لم يكن مؤهلا لها جعلته يصف أمريكا بأنها "ورشة العالم" وإن رفض ان نكون مثلها وإلا عشنا في كارثة إنسانية.
 
ولم يتوقف ليفهم ما يحدث من حوله وجري ليتحصن بالدين لعله يحميه من الانزلاق نحو الخطيئة.
 
في ذلك الوقت من نهاية الأربعينيات كان الجماعة قد حلت ودفع رئيس الحكومة "محمود فهمي النقراشي" حياته ثمنا لقراره وبعد شهور معدودة اغتيل "حسن البنا" وراح الإخوان يبحثون عن مرشد عام واتجهت الأنظار إليه.
 
ولم تمر سوي عدة أسابيع حتى نشر "سيد قطب" كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" الذي قرأه "عبد لناصر" باهتمام شجعه ليلقاه في بيته ليستمع منه وليستفيد بآرائه وتكررت اللقاءات حيث يسكن في حلوان بسبب جفافها المناسب لحساسية الصدر التي يعاني منها.
 
وعندما قامت الثورة لم يتردد "سيد قطب" في تأييدها بعد ان اعتبر نفسه من صناعها ودخل في تحول جديد عندما نشر في جريدة "الأخبار" صباح 8 أغسطس 1952 رسالة مفتوحة الى قادة الثورة دعاهم فيها الى ما سماه "ديكتاتورية عادلة".
 
كتب بالنص: "لقد احتمل هذا الشعب ديكتاتورية باغية شريرة مريضة" سنوات طوال "أفلا يحتمل ديكتاتورية عادلة نظيفة لمدة ستة أشهر على فرض ان قيامكم بحركة تطهير يعد ديكتاتورية بأي حال من الوجوه".
 
لكن سرعان ما جدد "سيد قطب" انقلابه على أفكاره بعد ان اختلف مع "عبد الناصر" وحوكم وسجن ليصف نظامه بالكفر ويدعو الى اسقاطه بالقوة كما رسم وخطط في مؤامرة 1965.
 
ادانته المحكمة وقضت بإعدامه ولكن "عبد الناصر" منحه فرصة حملها إليه "السادات" بأن يتبرأ من كتاب "معالم في الطريق" ليخفف العقوبة الي سجن مؤبدة لكنه رفض.
 
بعد كل هذه الانقلابات الحادة والتحولات الحادة والتغيرات الحادة في حياة "سيد قطب" تري لو ظل حيا هل كان سيرجع عن آخر أفكاره؟
 
هل يملك أحد إجابة؟ 
نقلا عن الاهرام