كريم كمال يكتب: الأنبا بيسنتي أبٌ صنع نهضة وبنى قلوبًا قبل أن يبني كنائس
في الذكري الثانية لرحيل قديس حلوان الأسقف المعترف نيافة الأنبا بيسنتي رحل لكن حضوره ما زال يملأ المكان والذاكرة والوجدان، لم يكن مجرد أسقف لإيبارشية واسعة تمتد من حلوان إلى المعصرة والتبين و١٥ مايو ودير الأنبا برسوم العريانً بل كان أبًا يحمل في قلبه كل إنسانً ويعامل كل نفس كأنها كنيسة قائمة بذاتها تستحق الرعاية والاهتمام.
بالنسبة لي شخصيًا، لم يكن نيافته مجرد راعٍ روحي بل كان أحد أهم الذين شكّلوا شخصيتي وفتحوا أمامي أبوابًا ما كنت لأعبرها لولا محبته وثقته وتشجيعه.
أنا مدين له بفضل كبير فضل لا يُنسى ولا يُرد لأنه كان أبًا يعرف كيف يزرع في النفوس قوة وطمأنينة واتزانًا.
نهضة عمرانية تشهد على رؤية واضحة وإيمان لا يتوقف
حين نتأمل سنوات خدمته ندرك أننا أمام أسقف لم يعرف الراحة فقد ارتبط اسمه ببناء العديد من الكنائس الجديدة في نطاق الإيبارشية إلى جانب توسعات وترميمات شملت كنائس تاريخية وأخرى ناشئة.
كانت الكنيسة بالنسبة له بيتًا للروح، لكنه كان يؤمن أيضًا بأنها يجب أن تكون بيتًا للإنسان بكل احتياجاته لذلك، لم تكن الكنائس التي بناها مجرد مبانٍ للصلاة بل مراكز حياة كاملة، فصول للتعليم قاعات للخدمة مساحات للشباب حضانات للأطفال ومبانٍ للخدمات الاجتماعية.
وفي كل مرة كان يضع حجر أساس كان يضع معه جزءًا من قلبه كان يفرح ببناء الكنيسة كما يفرح الأب بميلاد طفل جديد، ويعتبر كل مشروع خدمة امتدادًا لرسالته التي عاش من أجلها.
عندما تسلّم نيافة الأنبا بيسنتي إيبارشية حلوان والمعصرة كانت الإيبارشية تضم ٩ كنائس فقط
لكن خلال سنوات خدمته تحولت الإيبارشية إلى نهضة عمرانية وروحية غير مسبوقة إذ قام ببناء ١٤ كنيسة جديدة كاملة، ليصل عدد الكنائس إلى أكثر من الضعف في إنجاز لا يتحقق إلا بإيمان عميق وعمل دؤوب لا يعرف التوقف.
الكنائس التي بناها نيافته (١٤ كنيسة):
• كنيسة الأنبا أنطونيوس بناطس (١٩٩٥)
• كنيسة مارمرقس بمدينة ١٥ مايو (١٩٩٦)
• كنيسة مارمينا والبابا كيرلس السادس (٢٠٠١)
• كنيسة الملاك العظيم أبي سيفين بمنطقة الهجانة (٢٠٠٦)
• كنيسة العذراء والبابا أثناسيوس بمدينة ١٥ مايو (٢٠٠٧)
• كنيسة البابا شنودة الثالث بمنطقة الزلزال (٢٠١٣)
• كنيسة الشهيد أبي سيفين بالمشروع الأمريكي (٢٠١٥)
• كنيسة الآباء الرسل والأنبا كاراس السائح بالمشروع الأمريكي (٢٠١٦)
• كنيسة الملاك ميخائيل والأمير تادرس الشطبي بحلوان (٢٠١٦)
• كنيسة أم النور مارمرقس بكفر العلو (٢٠١٧)
• كنيسة السيدة العذراء والملاك روفائيل والشهيدة مارينا (٢٠١٨)
• كنيسة العذراء والملاك جبرائيل والقديس شنودة بشبشبة (٢٠١٨)
• كنيسة الأنبا بولا الناسك بمدينة ١٥ مايو (٢٠١٩)
• كنيسة مارمينا والبابا كيرلس وشهداء حلوان بحدائق حلوان (٢٠١٩)
هذه القائمة وحدها تكفي لتوثيق حجم الإنجاز، لكنها لا تكشف كل شيء فكل كنيسة كانت مشروع حياة ومكانًا يضم خدمة وتعليمًا وشبابًا وأسرًا وأحلامًا.
خدمة كهنوتية واسعة ٨٢ كاهنًا و١٢ قمصًا وآلاف الشمامسة
لم يكتفِ نيافته ببناء الحجر بل بنى الكوادر والخدام فقد قام بسيامة ٨٢ كاهنًا لخدمة الشعب وترقية ١٢ كاهنًا إلى رتبة القمصية إلى جانب رسامة آلاف الشمامسة بدرجاتهم المختلفة.
كان يؤمن أن الكنيسة لا تقوم إلا بخدامها وأن الخدمة ليست منصبًا بل مسؤولية.
مؤسسات خدمية تحمل بصمته الإنسانية
من أبرز إنجازاته التي بقيت شاهدة على محبته للإنسان مستشفى الأنبا برسوم العريان بالمعصرة، التي تحولت في عهده إلى مؤسسة طبية متكاملة تخدم آلاف المرضى سنويًا
كما دعم إنشاء حضانات للأطفال وعيادات خارجية ووحدات طبية متنقلةً مؤمنًا بأن الكنيسة يجب أن تكون سندًا لكل محتاج وأن الخدمة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تلمس ألم الإنسان وتخففه.
كان يرى أن المرضى هم أبناء المسيح، وأن العلاج رسالة روحية قبل أن يكون خدمة اجتماعية. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول المستشفى إلى ملجأ للضعفاء، وإلى مساحة يشعر فيها كل إنسان بالكرامة والاهتمام.
دير الأنبا برسوم العريان قلبه الذي لم يفارقه
كان دير القديس الأنبا برسوم العريان بالنسبة لنيافته مكانًا يحمل قدسية خاصة عمل على ترميمه وتطويره وتنظيم الخدمة فيه حتى أصبح مقصدًا روحيًا يقصده الآلاف.
حافظ على تراث القديس ونشر سيرته وجعل من الدير منارة روحية تشع سلامًا وهدوءًا وسط صخب الحياة.
كان يقول دائمًا إن الدير هو قلب الإيبارشية، وإن القديس برسوم العريان هو شفيعها وحارسها، ولذلك لم يتوقف يومًا عن الاهتمام به.
جسر للوحدة الوطنية وصوت للحكمة
لم يكن الأنبا بيسنتي أسقفًا للكنيسة فقط بل كان رمزًا للوطنية الصادقة شارك في لجان المصالحة ووقف في وجه الفتن وكان حضوره كافيًا لتهدأ النفوس.
كان يؤمن بأن مصر بيت واحد، وأن الكنيسة جزء أصيل من نسيجه لذلك حافظ على علاقات طيبة مع الجميع وفتح أبواب المطرانية لكل إنسان دون تمييز.
أبٌ يترك إرثًا لا يُنسى
ورغم كل ما بناه من كنائس ومستشفيات ومؤسسات بقي أهم ما بناه هو الإنسان.
أنا واحد من هؤلاء الذين بنى فيهم الكثير علّمني وجّهني شجّعني وفتح أمامي الطريق.
كان يرى فيّ ما لم أكن أراه في نفسي وكان يؤمن بأن كل إنسان قادر على أن يكون نورًا في مكانه.
اما أنا فسوف اظل شاهد علي نسق وقداسة وطيبة وحكمة وطاهرة وعفة لسان هذا الأسقف القديس البار … فمن يحب انبا بيسنتي بحب القداسة والبر ومن يكرهه يكرهه هذة الصفات
رحل الأنبا بيسنتي لكن صوته ما زال يتردد في أرجاء الإيبارشية وابتسامته ما زالت محفورة في قلوب أبنائه ليست في حلوان فقط ولكن في كل مكان من انحاء الكرازة المرقسية وإنجازاته ما زالت تنطق بأنه عاش حياته كلها من أجل الخدمة والمحبة.
سوف تظل كل نفس وكل حجر في ارجاء مطرانية حلوان وتوابعها شاهد علي نسك وقداسة وخدمة هذا الحبر الجليل القديس المعترف.
ونحن نحتفل بذكراك الثانية يا ابي القديس نصلي الي الله ان يمنح خليفتك نيافة الانبا ميخائيل الحكمة وان يلهمه من روحك ليكمل المسيره الصالحة.





