بقلم الأب يسطس الأورشليمى
 الأب إسحق: حينما نقول "ليتقدّس اسمك" يليق بنا جدًا أن نفهمه بهذا المعنى: "تقديس الله هو كمالنا"؛ أيضًا اجعلنا أيها الآب قادرين أن نفهم. نسلك بما فيه تقديس اسمك، أو على أي الأحوال يراك الآخرون قدوسًا بتغيّرنا الروحي، "إذ يرى الناس أعمالنا ويمجّدون أبانا الذي في السماوات" (مت 5: 16) .

     ليتقدس اسمك علي كل فم ، وفي كل قلب وفكر، مهما كانت الظروف المحيطة ونوعية نظر البعض إليها ... وكأننا بعبارة يتقدس اسمك، نصلي من أجل الذين تهزهم الضيقات، حتى لا يخطئوا إلى اسم الله في آلامهم. ولا يبدو اسم الله أمامهم في جماله الأول وفي محبته الأولي. وأيضا نقول للرب: ليتقدس اسمك، في السعة وفي الضيقة، في الراحة وفي التعب، مهما كانت الظروف الخارجية. وفي نفس الوقت نصلي من أجل الناس الذين تهزهم الضيقات فيخرجون عن نطاق تقديس اسم الله .

القدّيس أغسطينوس: لماذا تسألون من أجل تقديس اسم الله؟ إنه قدوس، فلماذا تسألون من أجل من هو قدّوس أصلاً! إنكم إذ تسألونه أن يتقدّس اسمه فهل تطلبون من أجله هو أم من أجلكم؟... اِفهموا جيدًا أنكم إنّما تسألون هذا من أجل نفوسكم. إنكم تسألون من هو قدّوس بذاته على الدوام أن يكون مقدّسًا فيكم. إن كان اسم الله يجدّف عليه من الأمم بسبب الأشرار، فعلى العكس يقدّس ويكرّم بسبب الأمناء، أي المؤمنين. لسنا نرغب أن يتقدّس الله بصلواتنا وإنما نسأله أن يتقدّس اسمه فينا...

القدّيس كبريانوس: إننا نحن الذين تقدّسنا في المعموديّة نسأله ونتوسل إليه أن نستمر فيما بدأنا فيه. هذا ما نصلّي لأجله كل يوم، إذ نحن في حاجة إلى تقديس يومي، إذ نسقط كل يوم ونحتاج إلى غسل من خطايانا بالتقديس المستمر... يقول الرسول إننا نتقدس باسم ربّنا يسوع المسيح وبروح إلهنا. ونحن نصلّي لكي يتم هذا التقديس فينا؛ فقد حذّر ربّنا ودَيّاننا ذاك الذي طلب من الذي شفاه ألا يخطئ مرّة أخرى، لئلا يصير إلى حال أشرّ, وها نحن نقدّم هذه الطلبة في صلواتنا باستمرار، سائلين إيّاه ليلاً ونهارًا أن يحفظ بحمايته التقديس الذي نلناه من نعمته.

باسم الرب أيضاً تصنع العجائب والمعجزات. وهكذا صلي المؤمنون في بداية العصر الرسولي قائلين " امنح عبيدك أن يتكلموا بكلامك بكل مجاهرة. بمد يدك للشفاء. ولتجر آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع " ( أع 4 : 29 ، 30 ). ولما أقام القديس بطرس الرجل الأعرج عند باب الجميل وانذهل الناس، قال لهم بطرس " لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي ؟! أنتم أنكرتم القدوس البار ... ورئيس الحياة قتلمتوه .. وبالإيمان باسمه، شدد اسمه هذا الذي تنظرونه . ( أع 3 : 12 – 16 ). وذلك لأن القديس بطرس قال للرجل الأعرج " باسم يسوع الناصري قم وامشِ " ( أع 3 : 6 ) " فوثب ووقف وصار يمشي " .. حتى في اليوم الأخير سيقولون له " أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين ". وقد وعد السيد المسيح تلاميذه قائلاً " وهذه الآيات تتبع المؤمنين. يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديد .. " ( مز 16 : 17 ) . 

اسم الله يمنح الإنسان استحياءًا من الخطية: فمهما كان الإنسان محارباً بالفكر، فإنه إذا سمع اسم الله يستحي، ويخاف من الإستمرار في فكر الخطية. لذلك فإن الخطاة المتعلقين بالخطية، يحاولون أن يهربوا من اسم الله، لأن تذكرهم له يتعب ضميرهم، ويجدون هاتفاً في داخلهم ضدهم. وهكذا فإن الشياطين إذا حاربت إنساناً، تحاول أن تنسيه اسم الله. وإذا أوصلته إلى حالة من العبودية للخطية، فإنه نفسه لا يحب أن يسمع اسم الرب، ولا شيئاً يتعلق بالرب.

هنا و نتعرض إلي موضوع هام و هو : كيف يمكننا أن نقدس إسم الله في حياتنا و في أفعالنا؟
القديس كبريانوس: بعد ذلك يقول " ليتقدس اسمك". ليس أننا نطلب أن يتقدس الله من خلال صلواتنا، ولكننا نطلب منه أن يتقدس اسمه فينا. ولكن من يقدِّس الله وهو نفسه الذي يقدِّس؟ لأنه يقول "تكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا 11: 44). لذلك نسأل ونتضرع نحن الذين تقدَّسنا في المعمودية أن نُكَمِّل فيما بدأنا أن نكون، و نحن نطلب من أجل هذا يومياً، لأننا في حاجة لتقديس يومي، حتى نغتسل من خطايانا بالتقديس المستمر نحن الذين نسقط يومياً. والرسول يخبرنا بماهية ذلك التقديس الذي نناله بلطف الله عندما يقول "لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا (1كو9:6-11) فهو يقول أننا نُقدَّس باسم الرب يسوع وبروح إلهنا. نحن نصلي أن يثبت هذا التقديس فينا، فإذ حذر الرب الديان الرجل الذي شفاه وأحياه ألا يخطئ ثانية لئلا يكون له أشر، فنحن نقدم هذا التضرع في صلواتنا الدائمة. نحن نطلب نهاراً وليلاً أن ذلك التقديس و(الإحياء) الذي نلناه بنعمة الله يُحفظ بحمايته.

طالما أننا في افتتاحية الصلاة الربّانية دَعينا الله "أبانا" القاطن في السموات، أي هو قدوسٌ بالطبيعة، نصل الآن إلى الطلبة الأولى، ونطلب فيها أن يتقدّس اسمه. نقول "ليتقدس اسمك"؛ فاسم اللّه هو قوته. فكما هو معروف في لاهوتنا الارثوذكسي، أن الله له جوهر وفعل، والمخلوقات الحقيقية لها جوهر وفعل. فالشمس هي جسم سماوي وترسل نورها، والحرارة شيء يحترق ولكنها ترسل طاقًة هي الدفء والإنارة. لكن اللّه غير مخلوق، له جوهر غير مخلوق وقوى غير مخلوقة، فبحسب جوهر الله "لا اسم له"، ولكن"له الكثير من الأسماء" بحسب قواه. 

كلّ مرة يكشف الله فيها نفسه للبشر يظهر من خلال قواه، كالمحبّة والسلام والعدل ومحبّة البشر. وبهذه الطريقة يكون لديه شركة معهم ولذا قلنا إنّ أسماء الله هي قواه. وفي كلّ مرة يذكر أحدهم اسم الله بتقوى وتواضع وتوبة وإيمان يحصل على المعرفة والشعور بقوّة اللّه. وعندما نصلّي "ليتقدس اسمك" لا يعني أن اسم الله ليس قدوس، فهذه الطلبة لها معنيان، الأول "ليتقدّس" أي "ليتمجّد" اسمه ويتمجّد بحياتنا الشخصيّة، ويجدَّف على اسم الله عندما لا نكون أوفياء لاسمه ونصون هذا النسب الشريف. أما المعنى الثاني للكلمة ليس مستقلاً أبدًا عمّا سبق، فالكلمة "ليتقدّس"، أيّ "اجعلنا قديسين"، نطلب من الله أن يقدّس حياتنا الشخصيّة.

فبهذه الطلبة ندّل على ماهيّة هدف الإنسان ولأي سبب يعيش. هدفه أن يتحد مع الله ويصير قدّيسًا بنعمة وقوى الله. الله بحسب الطبيعة قدّيسٌ، وعلى البشر أن يصيروا قدّيسين بحسب النعمة. هذا ما يدعى التأله، وبقدر ما يتقدّسون بشركة نعمة الله يُدْعَون متألهين. ولكي يصير أحدٌ ما قدّيسًا- متألهًا، هذا يعني أن تتجلى كلّ قواه النفسيّة والجسديّة وأن يمركز حياته في الله. 

لسوء الحظ، كثرٌ من المسيحيين يصلّون هذه الصلاة ولايملكون هذه النظرة الراقية، لكن يقتصرون في حياتهم المسيحية على بعض العادات والتقاليد العباديّة. يصلّون للأمور الدنيويّة وهي ليست قليلة. فكثير من المرات يطالعنا الكتاب المقدس بمثل هذه النصيحة: "صيروا قدّيسين كما أنا قدّوس" (1بط16:1). هناك أناس يحاولون أن يبرّروا أنفسهم بقولهم: "هذه الحياة المقدّسة ليست لي، أريد أن أعيش هذه الحياةَ ببهجتها ولن أحرم نفسي أبدًا من عطاءاتها الأرضيّة الدنيويّة". "لست قديسًا حتى لا أغضب".