بقلم الأب يسطس الأور شليمى
ليست أمراً اختيارياً، وإنما ضرورة حياتية، فهي أساس الإيمان، وقرينة الحياة الأبدية، وهي نُور الحياة، ومُرشد الطريق، ومصدر التعزية وقت الآلام، وتحت ضوئها ينكشف انحراف قلبنا عن المسيح ومحبته، فلنعدل مسارنا بالتوبة، والرجُوع إليه..

ومن هُنا فعدم الدراية بها يُلقي بالظلال على أصالة إيماننا وجدواه، كما يعني أننا فاقدُون أسلحتنا في حرُوبنا الرُوحية، وأننا ندخلها مهزُومين، وعدم حفظها نُعاني الضيقة والأوجاع وحدنا، فتصير الحياة أقسى من أن تُحتمل بغير داعٍ، بينما المعونة الناجحة مُتاحة لكُل مَن يطلبها، وتجاهلها رغم معرفتنا بفاعليتها يُظهر أننا نتفادى التوبة، ونتخبط في الظلام، محرُومين في ذات الوقت من التحول إلى النُور وحياة القداسة..

الله ليس ضدنا بسبب خطايانا، لكنه معنا ضد خطايانا..الله ينتظر رجُوعنا وتوبتنا، ولا يحتمل دمُوعنا وانسحاقنا..بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه (لو28:11)..

القصد من سماع كلمة الله هُو الإنصات والفهم وطاعة الكلمة وقبولها بكُل نشاط وتنفيذها، كالأم عندما تقول لابنها: اسمع كلامي.. 

فالمقصُود السمع والفهم الذي يهبنا إياه الكلمة وصاحبها بعمل الرُوح القُدس، حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكُتب (لو45:24)، ومن ثم طاعة الكلام وتنفيذ الوصية واختبارها ونوال بركاتها وفائدتها، وسيكون معنى حفظ كلام الله ليس فقط ترديده عن ظهر قلب واختزانه في الذاكرة، وإنما تخبئته في القلب، وطاعته، وتنفيذه، واختباره، وممارسته، فتقول: خبأت كلامك في قلبي لكيلا أخطيء إليك، راجع الكتاب (مز11:119)..

ليكن كُل إنسان مُسرعاً في الاستماع، أي مُتأهباً لقبُول الكلمة، وحفظها، وطاعتها، اقبلوا بوداعة (بتسليم كامل دُون مراوغة) الكلمة المغرُوسة القادرة أن تُخلّص نفُوسكُم، فالتوقف عند حدُود السماع هُو خداع للنفس، لأنه إن كان أحدٌ سامعاً للكلمة وليس عاملاً، فذاك يُشبه رجُلاً ناظراً وجه خلقته في مرآة، فإنه نظر ذاته ومضى، وللوقت نسيّ ما هُو، ولكن مَن اطّلع على النامُوس الكامل، ناموس الحرية وثبت، وصار ليس سامعاً ناسياً بل عاملاً بالكلمة، فهذا يكون مغبُوطاً في عمله (يع19:1-25)..

وقد يُقال إن النسيان في أحد جوانبه نعمة من النّعم، فالأحزان والذكريات الأليمة تخف وطأتها مع الزمن ثم تُنسى بعد حين، كي يستردّ الإنسان عافيته النفسية، والأحاديث اليومية العابرة تسقط من الذاكرة تخفيفاً عن الذهن، كي يُبالي بما هُو هام وخليق بالحفظ والتذكّر..

وكلام الله هُو من هذا النوع الأخير الجدير حقاً بالاكتراث، والاستيعاب، والانتباه، والحفظ في الذاكرة بكُل وسيلة ممكنة:
بالتكرار، والدراسة، والمداومة على القراءة اليومية، والاختبار العملي، وحضور كلام الله في الذهن يُقدّس الفكر ويُجدّده: تغيّروا عن شكلكُم بتجديد أذهانكم، لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة الكاملة (رو2:12)، ويجعل الكلمة قريبة من الفم والعقل والاستخدام، بل ويغسل النفس من أهوائها، ونسيان الكلمة إهانة لها، وإهانة لمَن قالها، ومَن أرسلها، ومَن أوصى بها، وعلامة على ضعف العلاقة مع الله، وتعني الحرمان من النور، والإرشاد، الإلهي، والتعزية في الضيقات والآلام..

أن حفظ كلام الله وطاعته هُو علامة أكيدة على محّبة النفس لمُخلّصها، فهي تحب وصيته وتتبعها لأن بها حياتها، والرّب نبّه كثيراً إلى هذه العلاقة العضوية بين محبته وحفظ كلامه: إن كنتم تُحبونني فاحفظوا وصاياي ... الذي عنده وصاياي ويحفظها فهُو الذي يُحبني، والذي يُحبني يُحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي ... إن أحبني أحدٌ يحفظ كلامي، ويُحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً، راجع (يو15:14-23)..

بالمقابل فالوصية تُعمق المحّبة لله، وتثبتها:
إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي.أنتم أحبائي إن فعلتُم ما أوصيكُم به..مَن يحفظ وصاياه يثبت فيه وهُو فيه..راجع (يو10:15؛ 1يو24:3)..

 وهذه هي وصية الله لبني إسرائيل التي جاءت مباشرة بعد وصية محّبة الله: لتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصّها على أولادك، وتكلّم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق، وحين تنام وحين تقوم، واربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك (تث6:6-9)..

ويترتب على ذلك أن عدم حفظ كلمة الله، والعمل بها يعني أنه: مهما ادّعينا، فنحنُ لا نحب الله الذي أحبنا وأسلم ذاته لأجلنا، وهذا بالتالي يطعن في إيماننا وتبعيتنا لشخص المسيح، فلننتبه..

وكلمة الله هي مصدر غني للصلاة، فهي تُغذيها بالمعاني الرُوحية، وتفتح أمامها آفاق الاتصال بالله، وتكشف له دخائله حتى يعرضها قدام مُخلّصه، ساعياً إلى التوبة مُلتمساً المعونة، ومن الناحية المقابلة فالصلاة تستدعي رُوح الله المُوحي بالكلمة، كي يكشف للنفس أعماق الوصية والحقّ الذي فيها، ويهب القدرة على طاعتها والانصياع لها، فالكلمة هي رُوح الصلاة، وبالصلاة يسطع أمامنا الحقّ الذي تنطوي عليه الكلمة..

وإذا كان الصوم بطبيعته يستدعي الصلاة، فمن الطبيعي أيضاً أن يتعالى خلاله اللهج في كلمة الله، والتفرس فيها، والتقدّس بها، فيكُون في ناموس الرّب يلهج نهاراً وليلاً، ويبين لنا الرّب في مَثَل الزارع أن الذين أثمرت فيهم الكلمة، اقترن سماعهُم بقبولهُم وحفظهُم لها، مع تحلّي المُؤمن بالصبر، أي أن الأمر يتطلّب إيماناً واثقاً ورجاءً ثابتاً، وتصديقاً لمواعيد الله دُون تعجُل أو شكوك في انتظار الثمار (مر3:4؛ لو15:8)..

هُوذا الفلاح ينتظر ثمر الأرض الثمين، مُتأنياً عليه حتى ينال المطر المُبكّر والمُتأخر، فتأنوا أنتُم وثبتوا قلوبكُم (يع29:5؛ أع29:5)، ومع الصبر يلزم أيضاً توفُر الطاعة المُطلقة لله، دُون تحايُل أو إرضاء للذات خاصة عندما تكشف الكلمة بنورها، ولمَن يُريد أن ينجو من الموت عليه أن يقبل الكلمة، مهما كانت قسوتها، والتحرّر من التجربة التي دخلها طواعية، ملتجأ إلى الأحضان الأبوية الداعية إلى الحياة.. 

كما أن الطاعة واجبة عندما يُحاصر النفس المُؤمنة الظُلم أو الاضطهاد، فتستسلم للتدخل الإلهي في وقته المُعين، صابرة صامتة، فقط تطلب المعونة على احتمال المسير وسط الظلام دُون بصيص من النور، لأن بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبراراً، والرّب صار لجميع الذين يطيعُون وصاياه سبب خلاص أبدي، راجع (رو16:5؛ عب9:5).. 

وقد لا تتقن النفس الطاعة إلا باجتيازها العديد من المحن والتجارب بسبب اختياراتها الخاطئة، حتى تترك للرّب قيادة سفينة حياتها، وقدوتنا في الطاعة هُو الرّب يسُوع المكتوب عنه أنه تعلّم الطاعة مما تألم به، فالطاعة لا تبلغ مداها إلا من خلال الآلام والمصاعب والشدائد، ولكن الرّب في طاعته لم يتهرّب ولم يُقاوم، وثبت عينيه على الجلجثة.. 

والرّب أطاع حتى الموت، موت الصليب..

راجع الكتاب (في8:2؛ عب8:5؛ يع6:5)..

بقدر عِظم الهدف تكون التضحيات، وكُلما تعالت قيمة الحياة الأبدية في عين المُؤمن كُلما هان الثمن طاعة لوصية الرّب..

كما يحتاج المُؤمن لكي يُثمر عندما يسمع، لأذن مختُونة يُديرها ويقودها قلب مختُون بالرُوح (رو9:2)، فالأذن المختُونة بالرُوح هي تلك التي صارت مُخصّصة ومضبُوطة على سماع موجة الصوت الإلهي في الإنجيل وفهمه وطاعته، لا تُقاوم ولا تُبرّر ولا تعتذر ولا تتجاهل، خاضعة واعية متنبهة، متأهبة للاستجابة مهما كانت العقبات والصعاب، ومهما كان التخلّي، متوسلة للرُوح كي يسند طاعتها إلى الغاية والهدف..

فالأذن الغلفاء لا تستجيب للرُوح، وإنما لموجات أخرى تحبها، هي ليست مستعدة للتضحية بها، فتتفادى وتتهرب وتتحاشى وتسدّ سماعها، والكتاب يُشير إلى الذين لهم آذان ولا يسمعون ... أو سامعين لا يسمعُون ولا يفهمُون لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم قد ثقل سماعها..

راجع الكتاب (إش9:6؛ إر21:5؛ مت15:13)..

المطلوب إذاً عندما نسمع أن نفتح الباب، أي نستجيب ونطيع ليدخل الرّب الذي يقُول: هأنذا واقف على الباب واقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهُو معي..

عندما نقرأ الكتاب، كأن الله يدقّ على باب القلب بكلماته، سيكون الردّ الواجب هُو الطاعة، والرّب بالطبع سيدخل ويتعشّى مع النفس المُطيعة، والرّب يقول: لأن مَن استحى بيّ وبكلامي، فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه، لكن ينبغي ألا يغيب عن الذهن أن الثمار ونموها ليست عمله هُو، إنما هي عمل الرُوح القُدس الساكن فيه..راجع (مر38:8؛ غلا22:5؛ رؤ20:3).. 
بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً، وأن الرُوح القُدس هُو الذي يُرشد إلى جميع الحقّ، فليس الغارس شيئاً ولا الساقي، بل الله الذي يُنمي، ويقول الرسُول: لا أنا بل نعمة الله التي معي، لأننا نحنُ عمله، مخلوقين في المسيح يسُوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها، وأن الله هُو العامل فيكم، أن تُريدوا وأن تعملوا من أجل المسرّة، فنحنُ بغير رُوح المسيح عاجزُون عن طاعة الكلمة، وتنفيذ تكليفات الله في الكتاب، وتتميم إرادته، بالرُوح تصير الوصايا ممكنة، وليست ثقيلة..

راجع (1كو7:3؛ 10:15؛ أف10:2؛ في13:2)..

في تعاملنا مع كلمة الله بمعونة النعمة نهتدي بمواقف الرّب ونتبعها ونتمثل بها، وأما نحنُ فلنا فكر المسيح، ونستخدم الآية والوصية والسلوك بروحها لا بحرفها في مواقف الحياة المُختلفة، وعلى قدر طاعتنا والتزامنا والاعتماد على قوة الكلمة المُذخرة فيها هكذا نتغير..

ونحنُ جميعاً ناظرين مجد الرّب بوجه مكشوف كما في مرآة، نتغير إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرّب الرُوح (2كو18:3)، وعلى سبيل المثال، هذه مجموعات ثلاث من الآيات المُختارة: 
ففي مجال الثقة في الله والرجاء، وعدم الخوف:
أنا هُو لا تخافوا، راجع (مت27:14؛ مر50:6؛ يو10:6).. 
في العالم سيكون لكم ضيق، لكن ثقوا أنـــــــا قد غلبت العالم.. 
إن كان الله معنا فمَن علينا، راجع (يو33:16؛ رو31:8)..
ها أنا معكُم كُل الأيام إلى انقضــــــاء الدهر (مت20:28)..
وفي مجال التصرفات اليومية: (1كو12:6)..
كُل الأشياء تحل لي، لكن ليس كُل الأشيــــــــــــــاء توافق.. 

لكن لا يتسلط عليّ شيء، لكن ليس كُل الأشياء تبني..
أنسى ما هُو وراء وأمتد إلى ما هُو قـــــــــــــــدام (في13:3)..
وكُل مَن يُجاهد يضبط نفسه في كُل شيء (1كو25:9)..
وفي مجال العلاقات مع الآخرين:
اغفروا يُغفر لكم، راجع الكتاب (لو37:6)..
لا تنظروا كُل واحد إلى ما هُو لنفسه، 
بل كُل واحد إلى ما هُو لآخرين أيضاً (في4:2)..

المحّبة فلتكن بلا رياء، مقدمين بعضكم في الكرامة..
لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء (رو9:12-19)..
اغضبوا ولا تُخطئوا، راجع (أف26:4)..
وعلى نفس النهج تعمل الآية في سائر مجالات الحياة فتكون نوراً للطريق وأداة للتغيير من أجل تتميم خلاصنا (في12:3)..
إن 
فهيا إلى ينابيع الخلاص لنستقي مياهاً حّية بفرح، ونُعوض عن السنين التي أكلها الجراد، وكفاناً عطشاً والنهر يفيض..